متى يتحول استعمال الحق إلى تعسف؟
المحامون بغدادي • February 21, 2026
قراءة تحليلية في حدود المشروعية بين سلطة الحق وحماية الغير
مقدمة:
الأصل أن لكل صاحب حق أن يمارسه كيفما يشاء وفي الحدود التي يراها مناسبة، فالحق في جوهره سلطة قانونية تخوّل صاحبه الانتفاع أو المطالبة أو التصرف، غير أن هذا التصور – وإن بدا منطقيًا – ليس مطلقًا، فالقانون لا يحمي الحق في ذاته فحسب، بل يحمي أيضًا التوازن بين الحقوق، ويمنع أن يتحول استعمال الحق إلى أداة إضرار بالغير، ومن هنا نشأت نظرية التعسف في استعمال الحق، لتجيب عن سؤال جوهري:
متى يكون صاحب الحق مشروعًا في ممارسته، ومتى يتحول سلوكه إلى استعمال غير مشروع يوجب المساءلة؟
أولًا: الأصل… حرية استعمال الحق.
القاعدة العامة أن من يملك حقًا يملك استعماله، فالمالك يحق له التصرف في ملكه، وصاحب الدعوى يحق له اللجوء إلى القضاء، وصاحب العمل يحق له تنظيم نشاطه في حدود النظام، ولا يُسأل الشخص لمجرد أنه استعمل حقًا مقررًا له قانونًا، لأن الحماية القانونية لا تُمنح عبثًا، بل لتحقيق مصلحة مشروعة،لكن هذه الحرية ليست بلا قيود.
ثانيًا: الأساس القانوني لمنع التعسف.
يقوم منع التعسف على مبدأ بسيط:
الحق لا يُمارس في فراغ، بل في مجتمع تتزاحم فيه المصالح.
فإذا استُعمل الحق بطريقة تؤدي إلى إضرار جسيم بالغير دون مصلحة حقيقية تعود على صاحبه، أو بقصد الإضرار، فإن هذا الاستعمال يفقد مشروعيته، وبذلك لا يُنظر فقط إلى وجود الحق، بل إلى كيفية استعماله والغاية من ورائه.
ثالثًا: معايير التعسف في استعمال الحق.
استقر الفقه والقضاء على عدة معايير يمكن من خلالها تمييز الاستعمال المشروع عن التعسفي أهمها:
1) قصد الإضرار بالغير: إذا كان الهدف الأساسي من استعمال الحق هو الإضرار بشخص آخر، فإن هذا السلوك يُعد تعسفًا، حتى لو كان في ظاهره ضمن حدود الحق، فالمعيار هنا ليس مجرد النتيجة، بل النية المصاحبة للاستعمال.
2) عدم التناسب بين المصلحة والضرر: قد لا يكون هناك قصد مباشر للإضرار، لكن إذا كانت المصلحة التي يحققها صاحب الحق ضئيلة جدًا مقارنة بالضرر الجسيم الواقع على الغير، فإن الاستعمال قد يُعد تعسفيًا،فالقانون لا يحمي مصلحة تافهة على حساب ضرر كبير وغير مبرر.
3) الانحراف عن الغاية المشروعة للحق: كل حق وُجد لتحقيق غاية محددة، فإذا استُعمل الحق لتحقيق غرض مختلف عن الغرض الذي شُرع من أجله، فإن ذلك يُعد خروجًا عن وظيفته الاجتماعية، وهذا المعيار يعكس تطورًا مهمًا في الفكر القانوني، حيث لم يعد الحق سلطة فردية مطلقة، بل وظيفة اجتماعية مقيدة بحدود المشروعية.
رابعًا: أمثلة تطبيقية على التعسف.
مالك يمنع جاره من المرور عبر أرضه رغم أن هذا المنع لا يحقق له أي مصلحة ويُلحق ضررًا بالغًا بالجار.
دائن يرفض استلام سداد جزئي بسيط بقصد تعقيد وضع المدين لا لحماية مصلحته.
صاحب عمل يستخدم صلاحياته الإدارية بطريقة ظاهرها نظامي لكن جوهرها إقصاء أو انتقام.
في هذه الحالات، لا يُلغى الحق، لكن يُساءل صاحبه عن طريقة استعماله.
خامسًا: الفرق بين التعسف والخطأ.
ليس كل ضرر ينتج عن استعمال الحق يُعد تعسفًا، فقد يُمارس الشخص حقه بحسن نية، ويقع ضرر عرضي على الغير دون قصد أو انحراف.
الفرق الجوهري أن التعسف يفترض:
1- وجود حق قائم،
2- واستعمالًا له،
3- لكن بطريقة تتجاوز حدود المشروعية أو تنحرف عن الغاية.
أما الخطأ فقد يقع حتى دون وجود حق أصلاً.
سادسًا: آثار التعسف في استعمال الحق.
إذا ثبت التعسف، فإن ذلك قد يترتب عليه:
1- وقف الاستعمال غير المشروع،
2- الحكم بالتعويض عن الضرر،
3- أو إبطال التصرف في بعض الحالات.
فالقانون لا يسلب الشخص حقه، لكنه يمنعه من تحويله إلى وسيلة إضرار.
سابعًا: التوازن بين اليقين والعدالة.
يُعد مبدأ منع التعسف من المبادئ التي تحقق التوازن بين استقرار المعاملات وعدالة النتائج، فلو تُرك استعمال الحق مطلقًا، لأصبح أداة قهر، ولو قُيّد دون ضابط، لفُتح الباب لعدم الاستقرار والشك في كل تصرف، ولهذا يُطبق المبدأ بحذر، وفي حالات واضحة يتبين فيها الانحراف أو الضرر غير المتناسب.
الحق في ذاته مشروع، لكن مشروعيته لا تعني إطلاقه من كل قيد، فالقانون يحمي الحقوق، لكنه يحمي كذلك التوازن بين أصحابها، وعندما يتحول استعمال الحق من وسيلة مشروعة لتحقيق مصلحة إلى أداة لإلحاق الضرر أو تجاوز الغاية، فإنه يفقد حصانته،وهكذا فإن التعسف لا ينفي وجود الحق، بل يحدّ من انحرافه.
فالحق الذي لا يُمارس بعدالة… قد يتحول إلى سبب للمسؤولية.
تنويه:
يُقدَّم هذا المقال على سبيل الرأي القانوني العام والتوعية المهنية، ولا يُعد استشارة قانونية مخصصة، ولا ينشئ أي علاقة مهنية أو تعاقدية بين الكاتب والقارئ.









