حوكمة الشركات : حماية قانونية أم عبء اداري

المحامون بغدادي • February 4, 2026

قراءة قانونية في مفهوم الحوكمة وأثرها الحقيقي على الشركات

مقدمة:
يُنظر إلى حوكمة الشركات في كثير من الأوساط على أنها مجموعة من القيود الإدارية والإجراءات الشكلية التي تُثقل كاهل الشركات، وتحدّ من مرونة الإدارة وسرعة اتخاذ القرار، وفي المقابل يراها آخرون مظلة قانونية ضرورية لحماية الشركة، وضمان استدامتها، وتعزيز الثقة فيها لدى الشركاء والمستثمرين، وبين هذين التصورين المتناقضين، يثور التساؤل الجوهري:
هل تمثل حوكمة الشركات عبئًا إداريًا إضافيًا، أم أنها في حقيقتها أداة حماية قانونية لا غنى عنها؟

أولًا: ما المقصود بحوكمة الشركات؟
حوكمة الشركات هي مجموعة القواعد والمبادئ التي تنظّم إدارة الشركة وعلاقتها بملاكها وأصحاب المصالح المرتبطين بها، وتحدّد كيفية اتخاذ القرارات، وتوزيع الصلاحيات، والرقابة على الأداء، وتحقيق الشفافية والمساءلة، ولا تقتصر الحوكمة على الشركات الكبرى أو المدرجة في الأسواق المالية، بل تمتد – بدرجات متفاوتة – إلى جميع الكيانات التجارية، متى وُجد تعدد في المصالح أو انفصال بين الملكية والإدارة.

ثانيًا: لماذا نشأت فكرة الحوكمة؟
لم تنشأ الحوكمة من فراغ، بل كانت نتيجة مباشرة لمشكلات عملية متكررة، من أبرزها:
1- إساءة استخدام السلطة من قبل الإدارة.
2- تضارب المصالح بين المديرين والملاك.
3- غياب الشفافية في القرارات المالية والإدارية.
4- انهيار شركات كبرى رغم سلامة مراكزها الظاهرية.
وقد أثبتت التجربة أن غياب الأطر الحاكمة للإدارة يُعد من أكثر الأسباب المؤدية للنزاعات الداخلية، والمساءلة القانونية، بل وحتى الإفلاس.

ثالثًا: الحوكمة كأداة حماية قانونية.
من الناحية القانونية، تمثل الحوكمة خط الدفاع الأول عن الشركة والإدارة معًا، ويتجلى ذلك في عدة جوانب:
1. حماية الشركة من القرارات الفردية: عندما تُتخذ القرارات الجوهرية وفق آليات واضحة (مجلس إدارة، لجان، محاضر موثقة)، تقل مخاطر الانفراد بالقرار، وتُحمى الشركة من التصرفات الارتجالية أو غير المدروسة.
2. تقليص المسؤولية الشخصية للإدارة: الإدارة التي تلتزم بقواعد الحوكمة، وتعمل ضمن صلاحياتها، وتوثّق قراراتها، تكون في مركز قانوني أقوى عند المساءلة، إذ يُنظر إلى قراراتها باعتبارها قرارات مؤسسية لا شخصية.
3. إدارة تضارب المصالح: توفر الحوكمة آليات واضحة للإفصاح عن المصالح الشخصية، ومنع استغلال الفرص أو المعلومات لمصلحة خاصة، وهو ما يحمي الشركة من نزاعات مع الشركاء أو الدائنين.
4. تعزيز موقف الشركة أمام القضاء: في النزاعات التجارية، كثيرًا ما يكون التزام الشركة بالحوكمة عاملًا مؤثرًا في تقدير حسن النية وسلامة الإدارة سواء في دعاوى المسؤولية أو النزاعات بين الشركاء.

رابعًا: لماذا تُعتبر الحوكمة عبئًا إداريًا لدى البعض؟
رغم فوائدها، تُقابل الحوكمة أحيانًا برفض أو تذمر، لأسباب من أبرزها:
1- الخلط بين الحوكمة والبيروقراطية.
2- ضعف الوعي القانوني بدورها الوقائي.
3- الاعتقاد بأن الحوكمة تُناسب الشركات الكبرى فقط.
4- الخوف من تقييد صلاحيات المؤسسين أو المديرين.
غير أن هذه النظرة غالبًا ما تنشأ من تطبيق شكلي أو خاطئ للحوكمة، لا من جوهرها الحقيقي.

خامسًا: متى تتحول الحوكمة إلى عبء فعلي؟
قد تتحول الحوكمة إلى عبء إداري في حالات محددة، منها:
1- تطبيقها بصورة شكلية دون فهم أهدافها.
2- تضخيم الإجراءات دون مراعاة حجم الشركة وطبيعة نشاطها.
3- نقل نماذج حوكمة معقدة إلى شركات صغيرة دون تكييف.
في هذه الحالات، لا تكون المشكلة في الحوكمة ذاتها، بل في سوء تصميمها أو إساءة تطبيقها.

سادسًا: الحوكمة الفعّالة… كيف تكون؟
الحوكمة الفعّالة لا تعني كثرة اللجان أو التعقيد الإجرائي، بل تقوم على مبادئ بسيطة وواضحة، أهمها:
1- وضوح الصلاحيات والمسؤوليات.
2- توثيق القرارات الجوهرية.
3- الفصل بين المصلحة الشخصية ومصلحة الشركة.
4- توفير الحد الأدنى من الشفافية والرقابة.
فكلما كانت الحوكمة متناسبة مع حجم الشركة وطبيعة نشاطها، كانت أكثر فاعلية وأقل عبئًا.

ليست حوكمة الشركات عبئًا إداريًا بطبيعتها، بل أداة تنظيم وحماية إذا أُحسن تصميمها وتطبيقها. فهي لا تهدف إلى تقييد الإدارة، بل إلى حمايتها، ولا تعرقل النمو، بل تضمن استدامته،والسؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يُطرح ليس:
هل نحتاج إلى الحوكمة؟
بل:
كيف نطبّق الحوكمة بما يخدم شركتنا بدل أن يثقلها؟

تنويه قانوني
يُقدَّم هذا المقال على سبيل الرأي القانوني العام والتوعية النظامية فقط، ولا يُعد استشارة قانونية ، ولا يغني عن الرجوع إلى مختص قانوني مؤهل لدراسة كل حالة بحسب ظروفها الخاصة.
By البغدادي للمحاماة February 4, 2026
:مقدمة يُفترض في العقد أن يكون أداة لتنظيم العلاقة وحماية الحقوق، لا سببًا للنزاع والخسارة، ومع ذلك تُظهر الممارسة العملية أن أغلب النزاعات لا تنشأ بسبب سوء نية الأطراف، بل نتيجة أخطاء شائعة تتكرر عند إبرام العقود، يقع فيها الأفراد والتجار وحتى الشركات، وغالبًا دون إدراك آثارها القانونية. وخطورة هذه الأخطاء أنها لا تظهر فورًا، بل تتكشف عند أول خلاف، حين يكون الوقت قد فات لتداركها. أ ولًا: التوقيع دون قراءة حقيقية. أكثر الأخطاء شيوعًا هو التوقيع السريع اعتمادًا على الثقة أو الاستعجال، دون قراءة دقيقة لبنود العقد، كثيرون يكتفون بقراءة العنوان أو المبلغ أو المدة، ويتجاهلون التفاصيل التي تحمل الالتزامات الحقيقية، والحقيقة القانونية أن التوقيع يُعد إقرارًا بالعلم والرضا، ولا يُقبل الادعاء بعدم الفهم إلا في حالات نادرة جدًا، فالعقد لا يُفسَّر وفق نية غير مكتوبة، بل وفق ما ورد فيه. ثانيًا: إهمال البنود “الصغيرة”. يظن البعض أن البنود المكتوبة بخط صغير أو في آخر العقد شكلية أو غير مؤثرة، بينما هي في الواقع أخطر البنود، مثل: 1- شروط الفسخ. 2- الإعفاء من المسؤولية. 3- الجزاءات والتعويضات. 4- الاختصاص القضائي أو التحكيم. هذه البنود هي التي تحسم النزاع عند وقوعه، لا البنود العامة أو التمهيدية. ثالثًا: عدم تحديد الالتزامات بوضوح. من الأخطاء المتكررة صياغة الالتزامات بعبارات عامة أو فضفاضة، مثل “حسب الاتفاق” أو “وفق المتعارف عليه”، دون تحديد دقيق للواجبات والمواعيد والمعايير. الغموض في العقد لا يعني المرونة، بل يعني فتح باب واسع للخلاف والتأويل، وغالبًا ما يُفسَّر هذا الغموض ضد من صاغ العقد أو استفاد منه. رابعًا: الاعتماد على الوعود الشفوية. كثير من المتعاقدين يطمئنون لعبارات مثل: “لا تقلق، لن نطبق هذا البند” أو “هذا مجرد إجراء شكلي” لكن عند النزاع، لا يُعتد بالوعود الشفوية ما لم تُثبت كتابة، فالقانون يحمي ما كُتب ووُقّع، لا ما قيل خارج العقد. خامسًا: تجاهل سيناريو النزاع. قلة من المتعاقدين يفكرون في السؤال الأهم قبل التوقيع: ماذا لو اختلفنا؟ فيُهملون تنظيم آلية حل النزاع، أو يتركونها لصياغات جاهزة قد لا تناسبهم، وعند وقوع الخلاف يكتشفون أن الطريق إلى المطالبة بالحق أطول وأعقد مما تصوروا. سادسًا: السكوت عن الإخلال عند حدوثه. من الأخطاء الخطيرة الاستمرار في التنفيذ رغم إخلال الطرف الآخر دون اعتراض أو تحفظ مكتوب، هذا السكوت قد يُفهم قانونيًا على أنه قبول ضمني أو تنازل عن الحق في الاعتراض أو الفسخ. فالحق لا يُحمى بمجرد وجوده، بل بالمطالبة به في الوقت المناسب وبالطريقة الصحيحة. سابعًا: استخدام عقود جاهزة دون مراجعة. الاعتماد على نماذج عقود من الإنترنت أو من تجارب سابقة خطأ شائع، لأن كل علاقة تعاقدية لها ظروفها الخاصة،وما يصلح لغيرك قد يكون خطرًا عليك، خصوصًا إذا تغيّر نوع النشاط أو الأطراف أو النظام القانوني الحاكم. ليست العقود معقدة بطبيعتها، لكن سوء التعامل معها هو ما يجعلها مصدرًا للمشكلات، ومعظم الأخطاء التعاقدية لا تحتاج إلى خبرة قانونية عميقة لتفاديها، بل إلى وعي بسيط بأن العقد وثيقة ملزمة، لا إجراء شكلي. القاعدة الأهم التي ينبغي تذكّرها دائمًا: العقد الجيد لا يمنع النزاع فقط، بل يحميك عندما يقع النزاع. تنويه قانوني يُقدَّم هذا المقال على سبيل الرأي القانوني العام والتوعية فقط، ولا يُعد استشارة قانونية ، ولا يغني عن الرجوع إلى مختص قانوني لدراسة كل حالة بحسب ظروفها الخاصة.
By المستشار/عمر رياض بغدادي February 4, 2026
مقدمة: في الممارسة القانونية اليومية، لا تُهدر الحقوق دائمًا بسبب ضعف الموقف القانوني، بل كثيرًا ما تضيع نتيجة خطأ واحد بسيط في ظاهره، جسيم في أثره، توقيع في غير موضعه، صمت في وقت كان يجب فيه الاعتراض، إجراء متأخر، أو ثقة غير محسوبة، كلها أخطاء قد تُفقد صاحبها حماية القانون بالكامل، حتى لو كان محقًا من حيث المبدأ، وتكمن خطورة هذه الأخطاء في أن القانون لا يحمي الحق المجرد، بل يحمي الحق الذي يُمارس وفق الأطر النظامية السليمة. أولًا: الفرق بين الحق القانوني والحق القابل للحماية: من المسلّم به فقهيًا أن وجود الحق لا يعني بالضرورة إمكانية حمايته قضائيًا، فالحق لكي يكون قابلًا للمطالبة، يجب أن يُولد صحيحًا، ويُمارس في وقته، وبالطريقة التي رسمها النظام. فقد يكون الشخص: * محقًا في جوهر مطالبته ، لكنه أخطأ في إجراء ، أو أهمل في إثبات، أو أسقط حقه بسلوك لاحق دون أن يشعر، وهنا يتدخل القضاء لا لينصف “الحق الأخلاقي”، بل ليحكم بما يقرره النظام والإجراءات. ثانيًا: أخطاء قانونية شائعة تُسقط الحقوق: 1. التوقيع دون قراءة أو فهم الأثر: التوقيع يُعد إقرارًا بالعلم والرضا، ولا يُقبل الادعاء بالجهل بمضمون ما وُقّع عليه إلا في نطاق ضيق جدًا، ويُعد التوقيع من أكثر التصرفات التي تُقيّد صاحبها، حتى لو كان العقد مجحفًا أو غير متوازن. 2. السكوت في موضع الاعتراض: السكوت قد يُفسَّر في سياقات قانونية كثيرة، على أنه قبول ضمني أو تنازل عن الحق في الاعتراض، خاصة إذا اقترن بمهلة نظامية أو إجراء كان يتطلب ردًا صريحًا. 3. فوات المواعيد النظامية: المواعيد في القانون ليست شكلية، بل كثير منها مُسقِط للحق، فالتأخر في التظلم أو الاعتراض أو رفع الدعوى قد يؤدي إلى عدم سماعها أصلًا، مهما كانت وجاهة المطالبة. 4. الاعتماد على الوعود الشفوية: الوعود غير المثبتة من أكثر أسباب خسارة الحقوق شيوعًا، فالقانون يحمي ما يمكن إثباته، لا ما يُقال إنه وُعد به لا سيما في المعاملات ذات الأثر المالي أو التعاقدي. 5. التصرف اللاحق المخالف للمطالبة: قد يسقط الحق بسلوك لاحق يتناقض معه، كقبول تنفيذ معيب دون تحفظ، أو الاستمرار في علاقة تعاقدية رغم الإخلال الجسيم، مما قد يُفسَّر على أنه إسقاط ضمني لحق الفسخ أو المطالبة. ثالثًا: لماذا لا يُنقذ القضاء من الخطأ القانوني؟ يعتقد البعض أن القاضي يستطيع “تصحيح” أي خطأ متى كان صاحب الحق مظلومًا، غير أن الحقيقة القانونية مغايرة. فالقاضي: مقيّد بالنصوص، ومحكوم بالإجراءات، ولا يملك إحياء حق سقط بموجب النظام، ومن ثمّ فإن الخطأ القانوني لا يُعالج بالعاطفة، ولا يُمحى بحسن النية، بل يُقيَّم وفق آثاره النظامية المجردة. رابعًا: الوقاية القانونية قبل نشوء النزاع: أكثر الحقوق التي تُصان هي تلك التي يُحسن أصحابها إدارتها منذ البداية، وتشمل الوقاية القانونية: 1- التوثيق الكتابي لكل الالتزامات الجوهرية. 2- التحفظ الصريح عند القبول أو التنفيذ. 3- الانتباه للمواعيد والإجراءات النظامية. 4- استشارة مختص قبل التوقيع أو الإنهاء أو أي تصرف جوهري. فالاستشارة المبكرة غالبًا ما تمنع نزاعًا كاملًا، أو تحفظ مركزًا قانونيًا كان سيضيع بخطأ واحد. الحقوق لا تضيع دائمًا لأن أصحابها مخطئون، بل كثيرًا ما تضيع لأنهم أخطؤوا في الطريقة لا في الموقف، وفي عالم القانون قد يكون الفرق بين كسب القضية وخسارتها توقيعًا متعجلًا، أو سكوتًا في غير موضعه، أو إجراءً أُهمل في وقته ، ومن ثمّ فإن الوعي القانوني لا يتمثل في معرفة الحق فقط، بل في معرفة كيف ومتى وكيفية التمسك به، لأن خطأ قانونيًا واحدًا قد يكون كافيًا ليكلّفك كل حقوقك. تنويه قانوني: يُقدَّم هذا المقال على سبيل الرأي القانوني العام والتوعية النظامية فقط، ولا يُعد بأي حال من الأحوال استشارة قانونية أو رأيًا ملزماً.
By المحامون بغدادي January 28, 2026
دراسة قانونية تحليلية في مفهوم العدالة التعاقدية مقدمة: لم يعد عقد الإذعان استثناءً في الحياة القانونية المعاصرة، بل أصبح النموذج السائد في عدد كبير من المعاملات اليومية، لاسيما في قطاعات الاتصالات، والخدمات المصرفية، والنقل، والتأمين، والمنصات الرقمية. ففي هذه العقود، لا يتقابل طرفان متساويان في القوة التفاوضية، بل يفرض أحدهما شروطًا معدّة سلفًا، لا يملك الطرف الآخر حيالها سوى القبول أو الرفض، وقد أثار هذا النمط التعاقدي إشكاليات قانونية عميقة تتعلق بمدى انسجامه مع مبدأ سلطان الإرادة، وبحدود مشروعية الشروط المفروضة فيه، وبالدور الذي ينبغي أن يضطلع به القضاء لضمان عدم تحوله إلى أداة استغلال، بما يخلّ بأسس العدالة التعاقدية. أولًا: ماهية عقد الإذعان وخصائصه: يُعرَّف عقد الإذعان بأنه العقد الذي ينفرد فيه أحد المتعاقدين بوضع شروطه مسبقًا، ويعرضها على الجمهور أو على فئة معينة عرضًا عامًا، بحيث لا يكون للطرف الآخر أي دور فعلي في مناقشة هذه الشروط، وإنما يقتصر دوره على القبول الكلي أو الرفض، ويتميّز عقد الإذعان بعدة خصائص جوهرية من أبرزها: 1- اختلال التوازن التفاوضي بين الطرفين. 2- توحيد الشروط وتكرارها في عدد غير محدد من العقود. 3- ارتباطه غالبًا بخدمات أو سلع أساسية لا غنى عنها في الحياة المعاصرة. ولا يُشترط لقيام عقد الإذعان أن يكون أحد الطرفين محتكرًا قانونًا، بل يكفي أن تكون له قوة اقتصادية أو تنظيمية تمكّنه من فرض شروطه دون تفاوض حقيقي. ثانيًا: عقد الإذعان ومبدأ سلطان الإرادة: يُعد مبدأ سلطان الإرادة حجر الأساس في النظرية التقليدية للعقد، غير أن عقد الإذعان يكشف عن حدود هذا المبدأ في الواقع العملي، فالإرادة في هذا النوع من العقود تكون، في الغالب إرادة شكلية لا حقيقية إذ يفتقد الطرف المذعن القدرة الفعلية على المساومة أو تعديل الشروط، وقد دفع ذلك الفقه الحديث إلى إعادة تقييم سلطان الإرادة، والانتقال من مفهوم الإرادة المطلقة إلى مفهوم الإرادة المحمية، التي تتطلب تدخل القانون لضمان أن يكون الرضا خاليًا من الاستغلال، ولو لم يبلغ حد الإكراه بالمعنى التقليدي. ثالثًا: الشروط التعسفية في عقود الإذعان: تُعد الشروط التعسفية الخطر الأكبر في عقود الإذعان، إذ قد تتضمن بنودًا تخلّ إخلالًا جسيمًا بالتوازن العقدي، كإعفاء الطرف القوي من المسؤولية، أو تحميل الطرف المذعن التزامات غير متناسبة، أو منحه حقوقًا أقل من الحد المعقول، وقد استقر الفقه والقضاء المقارن على اعتبار الشرط تعسفيًا متى: 1- أحدث اختلالًا فادحًا في التوازن بين الحقوق والالتزامات. 2- لم يكن ضروريًا لتحقيق الغاية المشروعة من العقد. 3- فُرض دون تمكين الطرف الآخر من مناقشته أو فهم آثاره بوضوح. ولا يُشترط لإعمال رقابة التعسف ثبوت سوء نية الطرف القوي، بل يكفي تحقق النتيجة غير العادلة. رابعًا: تفسير عقد الإذعان وحماية الطرف المذعن: يحتل تفسير عقد الإذعان مكانة محورية في حماية الطرف الضعيف، وقد استقر اتجاه فقهي واسع على قواعد خاصة في هذا المجال، من أهمها: 1- تفسير العبارات الغامضة لمصلحة الطرف المذعن. 2- عدم جواز التوسع في تفسير الشروط التي تقيد الحقوق أو تعفي من المسؤولية. 3- تغليب المعنى الذي يحقق العدالة العقدية على المعنى الحرفي المجرد. ويُنظر إلى هذه القواعد بوصفها آلية تصحيحية تهدف إلى إعادة التوازن، دون المساس بالبنية الأساسية للعقد. خامسًا: دور القضاء في ضبط عقود الإذعان: لم يعد دور القاضي في عقود الإذعان دورًا سلبيًا يقتصر على تطبيق النصوص، بل أصبح دورًا تدخليًا مشروعًا يهدف إلى حماية التوازن العقدي. ويتمثل هذا الدور في: 1- الرقابة على الشروط التعسفية وإبطالها أو تعديلها. 2- التحقق من وضوح الشروط الجوهرية وإمكانية العلم بها. 3- منع التحايل على القواعد الآمرة عبر الصياغات النموذجية. وبذلك يتحول القضاء من حارس للإرادة الشكلية إلى حارس للعدالة التعاقدية. سادسًا: عقد الإذعان في البيئة الرقمية: ازدادت خطورة عقود الإذعان مع التحول الرقمي، حيث أصبحت شروط الاستخدام وسياسات الخصوصية تُعرض في صيغ طويلة ومعقّدة، لا يقرأها أغلب المستخدمين، ويُفترض قبولها بنقرة واحدة، وقد أثار ذلك تساؤلات حديثة حول: 1- مدى علم الطرف المذعن الحقيقي بالشروط. 2- مشروعية بعض بنود الإعفاء أو الحد من المسؤولية. 3- الحاجة إلى تطوير أدوات قانونية جديدة لحماية الرضا الرقمي. وهو ما دفع العديد من الأنظمة القانونية والمنظمات الدولية إلى تعزيز قواعد الشفافية وحماية المستهلك في العقود الرقمية. يُمثل عقد الإذعان أحد أبرز تجليات التحول من العقد الفردي التفاوضي إلى العقد الجماعي النموذجي، وهو تحول فرضته ضرورات الحياة الاقتصادية الحديثة،غير أن هذه الضرورات لا تبرر إطلاق يد الطرف القوي على حساب العدالة، ولا تعفي القانون من واجبه في حماية الطرف الأضعف، ومن ثمّ فإن عقد الإذعان لا يُرفض من حيث المبدأ، لكنه يخضع لرقابة صارمة توازن بين الكفاءة الاقتصادية وحماية العدالة التعاقدية، بحيث يبقى العقد أداة لتنظيم المصالح لا وسيلة لفرضها.
By المحامي/عمر رياض بغدادي January 28, 2026
قراءة قانونية تحليلية في حدود استعمال الجزاء العقدي مقدمة: يُعد الفسخ أحد أخطر الجزاءات التي رتبها القانون على الإخلال بالالتزامات التعاقدية، لما يترتب عليه من إنهاء الرابطة العقدية وزوال آثارها بأثر رجعي أو فوري بحسب الأحوال،وقد قررته التشريعات والفقه باعتباره وسيلة لحماية الطرف الملتزم من استمرار علاقة تعاقدية فقدت توازنها بسبب إخلال الطرف الآخر. غير أن خطورة الفسخ لا تكمن في تقريره كحق، بل في كيفية استعماله، إذ قد يتحول من أداة مشروعة لحماية العقد إلى وسيلة تعسفية تهدف إلى التنصل من الالتزامات أو تحقيق مكاسب غير مشروعة، ومن هنا تبرز الإشكالية الجوهرية: أين ينتهي الحق في الفسخ، وأين يبدأ التعسف في استعماله؟ أولًا: الفسخ بوصفه حقًا قانونيًا. الأصل أن الفسخ يُمنح للطرف الذي أخلّ المتعاقد الآخر بالتزام جوهري من التزامات العقد، بحيث يصبح الاستمرار في العلاقة التعاقدية مرهقًا أو غير ذي جدوى، ويستند هذا الحق إلى اعتبارات العدالة العقدية، وحماية الثقة المشروعة التي قام عليها العقد، ويُستفاد من الفقه المقارن أن مشروعية الفسخ تقوم على عناصر ثلاثة: 1 - وجود إخلال حقيقي بالالتزام. 2- أن يكون الإخلال ذا أهمية جوهرية. 3- قيام علاقة سببية بين الإخلال وطلب الفسخ. فإذا توافرت هذه العناصر، كان الفسخ في أصله ممارسة مشروعة لحق مقرر قانونًا. ثانيًا: معيار الإخلال الجوهري. لا يكفي أي إخلال لتبرير الفسخ، إذ يميّز الفقه بوضوح بين الإخلال البسيط والإخلال الجوهري، فالأول قد يبرر المطالبة بالتنفيذ أو التعويض، لكنه لا يرقى إلى إنهاء العقد، أما الثاني فهو الذي يصيب جوهر الالتزام أو يفوّت الغاية الأساسية التي من أجلها أُبرم العقد، وقد استقر الاتجاه الفقهي الحديث على أن جوهرية الإخلال تُقدَّر لا بمعيار شكلي، بل بمعيار موضوعي مرن، يراعي: 1- طبيعة العقد. 2- الغاية الاقتصادية أو القانونية منه. 3- مدى إمكانية تدارك الإخلال. 4- سلوك الطرفين أثناء التنفيذ. ثالثًا: الفسخ وحدود حسن النية. يرتبط حق الفسخ ارتباطًا وثيقًا بمبدأ حسن النية، بوصفه مبدأً حاكمًا لتنفيذ الالتزامات واستعمال الحقوق،فحتى إذا توافر الإخلال الجوهري، فإن استعمال حق الفسخ يظل مقيدًا بعدم الانحراف عن الغاية التي شُرع من أجلها. ويظهر التعسف في الفسخ عندما: * يُمارس الفسخ رغم إمكانية التنفيذ أو الإصلاح. * يُستعمل كوسيلة ضغط أو ابتزاز تعاقدي. * يُطلب الفسخ لتحقيق مصلحة لا تتناسب مع حجم الإخلال. * يُستغل إخلال طفيف أو عارض لإنهاء العقد. في هذه الحالات، لا يكون الفسخ تعبيرًا عن حماية الحق، بل انحرافًا به عن مقصده المشروع. رابعًا: التعسف في الفسخ كصورة من صور إساءة استعمال الحق. يُعد التعسف في الفسخ تطبيقًا مباشرًا لنظرية إساءة استعمال الحق، التي تقضي بأن استعمال الحق يفقد مشروعيته إذا لم يقصد به تحقيق المصلحة التي شُرع من أجلها، أو إذا ألحق بالغير ضررًا جسيمًا دون مبرر مشروع. وقد حدّد الفقه معايير عامة للتعسف، من أبرزها: + انعدام المصلحة أو ضآلتها. + عدم التناسب بين الضرر والمصلحة. + قصد الإضرار. وهي معايير يُعمل بها لتقييد سلطة الفسخ، دون المساس بأصل الحق ذاته. خامسًا: دور القاضي في ضبط التوازن. لا يُترك تقدير مشروعية الفسخ أو تعسفه لإرادة المتعاقد وحده، بل يضطلع القاضي بدور جوهري في الرقابة على هذا الاستعمال، من خلال فحص ظروف العقد، وسلوك الأطراف، وطبيعة الإخلال، وآثاره الواقعية، ويتمثل هذا الدور في: 1- التحقق من جوهرية الإخلال. 2- تقدير مدى التناسب بين الفسخ والضرر. 3- رفض الفسخ إذا ثبت التعسف. 4- الاكتفاء بالجزاءات الأقل حدّة عند الاقتضاء. وبذلك يصبح القاضي ضامنًا للتوازن بين حماية الحقوق ومنع الانحراف بها. يتبين أن الفسخ ليس حقًا مطلقًا، ولا جزاءً آليًا يُفعّل بمجرد أي إخلال، بل هو وسيلة استثنائية تُمارس في إطار دقيق تحكمه العدالة وحسن النية، فإذا كان الفسخ حقًا مشروعًا عندما يُستعمل لحماية الغاية العقدية، فإنه يتحول إلى تعسف متى استُخدم أداة للهروب من الالتزام أو للإضرار بالطرف الآخر. ومن ثمّ، فإن الفاصل بين الحق والتعسف في الفسخ ليس النص المجرد، بل الغاية من الاستعمال والتناسب بين الوسيلة والنتيجة، وهي معايير تجعل من الفسخ أداة لتحقيق العدالة لا وسيلة لهدمها.
By المحامون بغدادي January 28, 2026
دراسة تحليلية مقارنة وفق النظام السعودي والقانون السوري مقدمة يُعد اتفاق التحكيم حجر الأساس الذي تقوم عليه خصومة التحكيم، وبدونه لا ينعقد الاختصاص لهيئة التحكيم، ولا يُستبعد اختصاص القضاء، ومن ثمّ فإن صحة هذا الاتفاق ليست مسألة إجرائية هامشية، بل هي مسألة جوهرية تمس النظام الإجرائي برمته، وتبرز إشكالية بطلان اتفاق التحكيم في كونه يدور عند نقطة التماس بين مبدأ سلطان الإرادة من جهة، واعتبارات النظام العام وضمانات التقاضي من جهة أخرى، وهو ما انعكس بوضوح في التنظيم التشريعي لكلٍ من النظام السعودي والقانون السوري. أولًا: ماهية اتفاق التحكيم وطبيعته القانونية: اتفاق التحكيم هو اتفاق يلتزم بمقتضاه طرفان أو أكثر بإحالة نزاع قائم أو محتمل إلى التحكيم بدلًا من القضاء، وهو اتفاق ذو طبيعة خاصة، يتميز عن العقد الأصلي من حيث الوظيفة والآثار، ويخضع لمتطلبات شكلية وموضوعية دقيقة. وقد استقر الفقه الحديث على أن اتفاق التحكيم: 1- عقد مستقل من حيث الأثر (مبدأ استقلال شرط التحكيم). 2- استثناء من الولاية العامة للقضاء، ومن ثم يُفسَّر تفسيرًا ضيقًا. ثانيًا: بطلان اتفاق التحكيم في النظام السعودي: نظم نظام التحكيم السعودي الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/34 لعام 1433هـ أحكام اتفاق التحكيم، وبيّن حالات بطلانه صراحة أو ضمنًا. 1. البطلان لعدم الأهلية أو انعدام الصفة: يشترط النظام أن يكون من أبرم اتفاق التحكيم ذا أهلية للتصرف، وأن يكون ممثلًا تمثيلًا صحيحًا، ويقع الاتفاق باطلًا إذا صدر من شخص لا يملك سلطة الاتفاق على التحكيم، ولا يُعتد بإجازة لاحقة إذا تعلّق البطلان بالنظام العام. 2. البطلان لعدم استيفاء الشكل: أوجب النظام أن يكون اتفاق التحكيم مكتوبًا، وإلا كان باطلًا، ويشمل ذلك الكتابة التقليدية أو الإلكترونية أو الإحالة إلى مستند يتضمن شرط تحكيم، ويُعد هذا الشرط من النظام العام، فلا يصح التحكيم بناءً على اتفاق شفهي أو ضمني مجرد. 3. البطلان لمخالفة النظام العام أو الشريعة: يُعد اتفاق التحكيم باطلًا إذا انصبّ على نزاع لا يجوز التحكيم فيه، أو كان موضوعه مخالفًا للشريعة الإسلامية أو النظام العام في المملكة، باعتبار أن التحكيم لا يجوز أن يكون وسيلة للتحايل على القواعد الآمرة. ثالثًا: بطلان اتفاق التحكيم في القانون السوري نظم قانون التحكيم السوري رقم 4 لعام 2008 اتفاق التحكيم وأحكامه، وأقر بدوره بمبدأ استقلال الاتفاق، مع إخضاعه لشروط صحة صارمة. 1. البطلان لعيوب الرضا أو الأهلية: يخضع اتفاق التحكيم، من حيث الأهلية والرضا، للقواعد العامة في العقود، ويقع باطلًا إذا شابه عيب من عيوب الإرادة، أو صدر من غير ذي أهلية أو صفة. 2. البطلان لعدم الكتابة: نص القانون السوري صراحة على أن اتفاق التحكيم يجب أن يكون مكتوبًا، وإلا كان باطلًا، ويُعد هذا الشرط لازمًا لانعقاد الاختصاص التحكيمي، ولا يُغني عنه القبول الضمني أو السكوت. 3. البطلان لمخالفة النظام العام: يقع اتفاق التحكيم باطلًا إذا تناول نزاعًا لا يجوز التحكيم فيه أو تضمّن ما يخالف النظام العام، سواء من حيث موضوع النزاع أو آلية الفصل فيه، باعتبار أن التحكيم قضاءً خاصًا لا يجوز أن ينتقص من الضمانات الأساسية للعدالة. رابعًا: أثر بطلان اتفاق التحكيم: يترتب على بطلان اتفاق التحكيم آثار قانونية جوهرية من أبرزها: 1- عودة الاختصاص الأصيل للقضاء. 2- بطلان كل ما بُني على الاتفاق من إجراءات تحكيمية. 3- جواز التمسك بالبطلان في أي مرحلة إذا تعلّق بالنظام العام. 4- لا يحول مبدأ استقلال شرط التحكيم دون الحكم ببطلانه إذا ثبت انعدام أحد أركانه أو مخالفته لقواعد آمرة. خامسًا: موقف القضاء ودوره في رقابة الاتفاق: يلعب القضاء في كلٍ من السعودية وسوريا دورًا حاسمًا في التحقق من صحة اتفاق التحكيم، سواء عند الدفع بعدم الاختصاص، أو عند نظر دعوى بطلان حكم التحكيم، أو عند طلب التنفيذ، وقد استقر الاتجاه القضائي الحديث على: 1- عدم التوسع في تفسير اتفاق التحكيم. 2- إخضاعه لرقابة صارمة من حيث الشكل والاختصاص والنظام العام. 3- احترامه متى استوفى شروطه القانونية كاملة. يتضح أن بطلان اتفاق التحكيم ليس مسألة شكلية، بل ضمانة أساسية لحماية حق التقاضي ومنع الانحراف بمؤسسة التحكيم عن غاياتها،وقد أحسن كلٌّ من النظام السعودي والقانون السوري في إحاطة هذا الاتفاق بشروط دقيقة، توازن بين احترام الإرادة التعاقدية وصيانة النظام العام، ومن ثمّ فإن العناية بصياغة اتفاق التحكيم، وتحديد أطرافه، وموضوعه، وشكله تُعد مسألة محورية لا تقل أهمية عن موضوع النزاع ذاته، إذ قد يُحسم مصير الخصومة بأكملها عند هذه النقطة التأسيسية.
By المستشار/عمر رياض بغدادي January 26, 2026
دراسة قانونية تحليلية في ضوء التطور التقني المعاصر مقدمة: أدى التحول الرقمي المتسارع إلى إحداث تغييرات جوهرية في بنية العلاقات القانونية، لاسيما في نطاق الالتزامات التعاقدية فلم تعد نظرية الالتزام بصورتها التقليدية القائمة على التعاقد الورقي والتلاقي المادي للإرادات، قادرة وحدها على استيعاب أنماط التعامل الحديثة التي أفرزتها التكنولوجيا الرقمية، مثل التعاقد الإلكتروني، والمنصات الذكية، والعقود ذاتية التنفيذ، وأمام هذا الواقع بات من الضروري إعادة النظر في كثير من المفاهيم الكلاسيكية لنظرية الالتزام، سواء من حيث تكوين الالتزام أو تنفيذه أو إثباته أو انقضائه، بما يحقق التوازن بين متطلبات التطور التقني وحماية الثقة القانونية. أولًا: التحول الرقمي ومفهوم الالتزام القانوني: يقوم الالتزام في جوهره على رابطة قانونية تُلزم المدين بأداء معين لمصلحة الدائن،غير أن التحول الرقمي غيّر من الإطار الذي تنشأ فيه هذه الرابطة، إذ أصبحت الإرادة القانونية تُعبّر عنها بوسائل إلكترونية، وتُنفّذ عبر أنظمة رقمية، وقد تُدار أحيانًا دون تدخل بشري مباشر، وقد أدى ذلك إلى بروز تساؤلات قانونية جوهرية حول مدى كفاية القواعد التقليدية لنظرية الالتزام في ضبط هذه العلاقات، خاصة عندما يصبح “النظام الإلكتروني” أو “المنصة الرقمية” طرفًا فاعلًا في تنفيذ الالتزام. ثانيًا: أثر التحول الرقمي على تكوين الالتزام: أحدثت الوسائل الرقمية تحولًا عميقًا في طريقة تكوين الالتزام، إذ لم يعد التعاقد مشروطًا بالتلاقي المادي للإيجاب والقبول، بل أصبح يتم عبر رسائل إلكترونية أو واجهات رقمية أو نقرات تقنية، وأثار ذلك إشكالات قانونية متعددة، من أبرزها: 1- تحديد لحظة انعقاد العقد في البيئة الرقمية. 2- مدى حجية التعبير الإلكتروني عن الإرادة. 3- مسؤولية الطرف الذي يضع الشروط النموذجية في المنصات الرقمية. استقر الفقه الحديث على الاعتراف بالإرادة الإلكترونية بوصفها تعبيرًا قانونيًا كامل الأثر، شريطة توافر القصد والرضا، غير أن ذلك لا يمنع من ضرورة توفير ضمانات خاصة لحماية الطرف الأضعف في العقود الرقمية. ثالثًا: تنفيذ الالتزام في البيئة الرقمية: غيّر التحول الرقمي من آليات تنفيذ الالتزام، حيث أصبح التنفيذ يتم في كثير من الحالات بصورة فورية أو آلية، كما هو الحال في الخدمات الرقمية أو العقود الذكية، وفي هذا السياق، تبرز إشكالات قانونية دقيقة، من أهمها: 1- مدى مشروعية التنفيذ الآلي دون تدخل بشري. 2- حدود مبدأ حسن النية في العقود الرقمية المؤتمتة. 3- مسؤولية الأطراف عند حدوث خلل تقني أو برمجي أثناء التنفيذ. ويذهب اتجاه فقهي متزايد إلى أن التحول الرقمي لا يلغي المبادئ العامة لنظرية الالتزام، وإنما يفرض إعادة تفسيرها بما يتلاءم مع طبيعة التنفيذ الرقمي، دون الإخلال بجوهر العدالة التعاقدية. رابعًا: التحول الرقمي وإثبات الالتزام: أثر التطور الرقمي بشكل مباشر على قواعد الإثبات، إذ أصبحت المستندات الإلكترونية، وسجلات الأنظمة، وبيانات الخوادم، وسائل رئيسية لإثبات وجود الالتزام أو تنفيذه أو الإخلال به، وقد أقر الفقه والقوانين الحديثة مبدأ تكافؤ الحجية بين الدليل الإلكتروني والدليل التقليدي، متى أمكن ضمان سلامته التقنية وعدم العبث به،غير أن ذلك لا يخلو من تحديات عملية، أبرزها: 1- التحقق من هوية الأطراف الرقمية. 2- سلامة التوقيع الإلكتروني. 3- حجية البيانات المستخرجة من الأنظمة المؤتمتة. خامسًا: التحول الرقمي وتوازن الالتزامات: من أخطر آثار التحول الرقمي على نظرية الالتزام اختلال التوازن العقدي في بعض العلاقات الرقمية، لا سيما تلك القائمة على العقود النموذجية وشروط الاستخدام العامة التي يفرضها الطرف الأقوى تقنيًا أو اقتصاديًا، وقد دفع ذلك الفقه الحديث إلى التأكيد على: 1- ضرورة حماية الطرف الضعيف في التعاقد الرقمي. 2- تمكين القضاء من التدخل عند التعسف أو الغموض. 3- إعادة الاعتبار لمبدأ العدالة التعاقدية في مواجهة السرعة التقنية. يُظهر التحول الرقمي أن نظرية الالتزام لم تعد مجرد منظومة جامدة من القواعد التقليدية، بل أصبحت إطارًا مرنًا يتفاعل مع الواقع التقني المتغير. فالوسائل الرقمية لا تُنشئ نظرية جديدة للالتزام بقدر ما تُعيد تشكيل النظرية القائمة، وتفرض تطوير أدواتها ومفاهيمها دون المساس بجوهرها، ومن ثم فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في مقاومة التحول الرقمي، بل في توجيهه قانونيًا بما يضمن استقرار المعاملات، وحماية الثقة المشروعة، وتحقيق التوازن بين الكفاءة التقنية والعدالة القانونية.
By البغدادي للمحاماة January 26, 2026
دراسة تطبيقية وفق النظام السعودي والقانون الإماراتي والقانون السوري مقدمة: أصبح التحكيم التجاري الدولي خيارًا عمليًا لتسوية المنازعات العابرة للحدود، لكن القيمة الحقيقية لحكم التحكيم لا تتجلى عند صدوره بقدر ما تتجلى عند تنفيذه في دولة أخرى، ومن هنا جاءت اتفاقية نيويورك لعام 1958 بوصفها الصك الدولي الأهم لضمان الاعتراف بأحكام التحكيم الأجنبية وتنفيذها، مع تقييد حالات رفض التنفيذ بأسباب محددة وحصرية، وتبرز أهمية الموضوع عمليًا عند المستثمرين والشركات؛ لأن بيئة الأعمال لا تقيس “فعالية التحكيم” بوجود مركز تحكيم فقط، بل بمدى قابلية الحكم للتحول إلى قوة تنفيذية داخل الدولة المطلوب التنفيذ فيها. أولًا: الإطار الدولي – اتفاقية نيويورك 1958: تقوم اتفاقية نيويورك على فكرتين مركزيتين: الأصل هو الاعتراف والتنفيذ، والاستثناء هو الرفض. حصر أسباب رفض التنفيذ (مثل بطلان اتفاق التحكيم، انتهاك حق الدفاع، تجاوز الهيئة لنطاق الاتفاق، عدم نهائية الحكم/إبطاله في بلد المنشأ، ومخالفة النظام العام في دولة التنفيذ). هذه القاعدة الدولية حدّت من “إعادة محاكمة النزاع” أمام قاضي التنفيذ، ودفعت الدول إلى مواءمة قوانينها الوطنية مع منطق “التنفيذ السريع” ما لم توجد موانع جدية ومحددة. ثانيًا: تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية في النظام السعودي: 1) الأساس النظامي: رسّخ نظام التحكيم السعودي قابلية تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية في المملكة ضمن الإطار النظامي المقرر، مع مراعاة الضوابط التي يتصدرها عدم مخالفة النظام العام. 2) ملامح التطبيق العملي: في التطبيق، يركز فحص قاضي التنفيذ/المحكمة المختصة على مسائل “الإجراء والضمانات” لا “موضوع النزاع”، وأهم ما يُنتظر عمليًا: * وجود اتفاق تحكيم صحيح وإثباته. * احترام حق الدفاع (تبليغ صحيح وتمكين من تقديم الدفوع). * عدم تعارض الحكم مع النظام العام (بوصفه استثناءً لا يُتوسع فيه في منطق اتفاقية نيويورك). ثالثًا: تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية في القانون الإماراتي: 1) الإطار التشريعي: يحكم الموضوع اتحاديًا القانون الاتحادي رقم (6) لسنة 2018 بشأن التحكيم، وهو يُعد العمود الفقري للتعامل مع التحكيم وإجراءاته وآثار أحكامه. 2) الانضمام لاتفاقية نيويورك وأثره: تُظهر وثائق الانضمام أن الإمارات انضمت لاتفاقية نيويورك بموجب المرسوم الاتحادي رقم 43 لسنة 2006، ما يعكس تبني الدولة لنظام تنفيذ يقوم على قواعد الاتفاقية وأسباب الرفض المحددة فيها. وعمليًا، ينسجم ذلك مع فكرة أن محكمة التنفيذ لا تُعيد بحث الأساس الموضوعي للنزاع، بل تتحقق من شروط الاعتراف والتنفيذ ضمن حدود الاتفاقية والقانون. رابعًا: تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية في القانون السوري: 1) وضع سوريا في اتفاقية نيويورك: تُعد الجمهورية العربية السورية من الدول الأطراف في اتفاقية نيويورك؛ ويظهر في جداول الدول المتعاقدة إدراج سوريا ضمن الأطراف. 2) الإطار التشريعي الداخلي للتحكيم: على الصعيد الداخلي، ينظم التحكيم في سوريا قانون التحكيم رقم 4 لعام 2008 (في المنازعات المدنية والاقتصادية والتجارية)، وهو القانون الذي يضع القواعد الأساسية لاتفاق التحكيم وإجراءاته وأحكامه وآثارها. 3) أثر ذلك على تنفيذ الحكم الأجنبي: من الناحية العملية، فإن اجتماع الالتزام الدولي (اتفاقية نيويورك) مع الإطار الداخلي (قانون التحكيم) يُنتج قاعدة جوهرية: الأصل هو إنفاذ حكم التحكيم الأجنبي متى استوفى شروطه، ولا يُرفض التنفيذ إلا لأسباب جدية ومحددة تتفق مع منطق اتفاقية نيويورك (خصوصًا ما يتصل بصحة اتفاق التحكيم، وضمانات التقاضي، والنظام العام). ملاحظة : في سوريا (كما في غيرها) يظل “النظام العام” هو الاستثناء الأكثر حضورًا في دفوع رفض التنفيذ، لكنه — من منظور اتفاقية نيويورك — يجب أن يبقى استثناءً ضيقًا لا يتحول إلى بوابة لإعادة نظر موضوعية في النزاع. خامسًا: أسباب رفض التنفيذ – معيار دولي واحد بثلاث بيئات قانونية: على الرغم من اختلاف الصياغات الوطنية بين السعودية والإمارات وسوريا، فإن المعيار الحاكم عند تنفيذ الحكم الأجنبي يظل عمليًا هو معيار اتفاقية نيويورك: رفض التنفيذ استثناء، وأسبابه حصرية، ولا تمتد إلى مراجعة موضوع النزاع أو سلامة التسبيب إلا بقدر ما يتصل بالأسباب المنصوص عليها (مثل انتهاك حق الدفاع أو مخالفة النظام العام). يؤكد الواقع التشريعي في السعودية والإمارات وسوريا أن تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية لم يعد مسألة “مجاملات قانونية” أو خيارًا ثانويًا، بل هو جزء من البنية القانونية اللازمة لجذب الاستثمار واستقرار التعاملات الدولية، وتُظهر اتفاقية نيويورك أن معيار الثقة في التحكيم هو قابلية الحكم للنفاذ خارج بلد صدوره، ولهذا ضيّقت الاتفاقية أسباب الرفض ورفعت من شأن الاعتراف والتنفيذ، ومن ثم فإن الممارسة القانونية الرشيدة في هذا المجال تتطلب من المحامين وأطراف النزاع العناية منذ البداية بصياغة شرط التحكيم، وتوثيق التبليغات، وضمان حق الدفاع، وتحييد ما قد يثير إشكالات النظام العام، لأن نزاع التنفيذ غالبًا لا يُحسم في “جوهر الحق”، بل في سلامة المسار الإجرائي والقانوني الذي أوصل إلى الحكم.
By المحامون بغدادي January 26, 2026
دراسة تحليلية في ضوء الفقه القضائي والنظام السعودي والقانون المدني السوري مقدمة: تُعد علاقة السببية الركن الأكثر تعقيدًا وإثارة للجدل في نطاق المسؤولية المدنية، إذ لا يكفي لقيام هذه المسؤولية ثبوت الخطأ ووقوع الضرر، بل يجب أن يكون هذا الضرر نتيجة مباشرة أو متوقعة لذلك الخطأ، وتكمن خطورة هذا الركن في صعوبة إثباته عمليًا، خاصة في القضايا التي تتداخل فيها عوامل متعددة، أو تتراخى فيها النتائج عن الأفعال، أو تتشابك الأسباب البشرية والطبيعية. وقد واجه القضاء، قديمًا وحديثًا، إشكالات عميقة في تحديد معيار السببية وضوابطها، الأمر الذي انعكس على اختلاف الاتجاهات الفقهية والقضائية في هذا الشأن. أولًا: مفهوم علاقة السببية في المسؤولية المدنية: علاقة السببية هي الصلة القانونية التي تربط بين الفعل الضار والضرر الناتج عنه، بحيث يُنسب الضرر إلى هذا الفعل على وجه يبرر تحميل المسؤولية لمرتكبه، ولا تُعد السببية مسألة واقعية بحتة، بل هي في جوهرها تقدير قانوني يخضع لسلطة القاضي التقديرية، في ضوء معايير موضوعية استقر عليها الفقه والقضاء. ويُجمع الفقه على أن السببية ليست رابطة مادية مطلقة، بل رابطة قانونية انتقائية، إذ لا يُعتد بكل سبب ساهم في وقوع الضرر، وإنما بالسبب الذي ينهض قانونًا لتحميل المسؤولية. ثانيًا: الاتجاهات الفقهية في تحديد السببية: أفرز الفقه القانوني عدة نظريات لتحديد علاقة السببية، من أبرزها: 1. نظرية السبب المباشر: وتقصر المسؤولية على الضرر الناتج مباشرة عن الخطأ، دون اعتبار للأسباب البعيدة أو غير المألوفة، ويُؤخذ على هذه النظرية تضييقها الشديد لنطاق المسؤولية، بما قد يفضي إلى حرمان المضرور من التعويض. 2. نظرية السبب المنتج: وهي النظرية الأكثر شيوعًا في القضاء، وتعتمد على تحديد السبب الذي من شأنه، وفق السير العادي للأمور، إحداث الضرر، وتمنح هذه النظرية القاضي مرونة أوسع في تقدير السببية، مع الحفاظ على قدر معقول من الاستقرار القانوني. 3. نظرية تعادل الأسباب: وتعتبر جميع الأسباب التي ساهمت في إحداث الضرر متعادلة في الأهمية، وهو اتجاه نادر التطبيق قضائيًا، لما يترتب عليه من توسع غير منضبط في نطاق المسؤولية. ثالثًا: عبء إثبات علاقة السببية: الأصل أن يقع عبء إثبات علاقة السببية على عاتق المضرور، باعتبارها ركنًا من أركان المسؤولية المدنية،غير أن هذا العبء قد يخف أو ينتقل في بعض الحالات، لا سيما عندما يكون إثبات السببية متعذرًا أو بالغ الصعوبة من الناحية الفنية أو العلمية. وقد لجأ القضاء في هذا السياق إلى وسائل متعددة، من أبرزها: 1- الاستعانة بالخبرة الفنية والطبية. 2- الاعتماد على القرائن القضائية. 3- الأخذ بنظرية السبب المرجّح متى استحال الجزم بالسبب القاطع. رابعًا: إشكالات إثبات السببية أمام القضاء: تتجلى صعوبة إثبات علاقة السببية في عدد من الصور العملية، من أهمها: 1- تعدد الأسباب: عندما تتضافر عدة أفعال أو عوامل لإحداث الضرر، سواء كانت جميعها بشرية أو اختلط فيها العامل الإنساني بالقوة القاهرة أو فعل الغير. 2- السبب الأجنبي: كالقوة القاهرة أو خطأ المضرور نفسه، وما يترتب عليه من انقطاع رابطة السببية أو تخفيف المسؤولية. 3- التراخي الزمني: حين يظهر الضرر بعد فترة طويلة من وقوع الفعل، كما في بعض الأضرار الطبية أو البيئية. 4- الغموض العلمي: خاصة في القضايا الطبية، حيث يصعب الجزم بسبب واحد محدد للضرر. وفي هذه الحالات، يبرز الدور الخلاق للقاضي في الموازنة بين حماية المضرور ومنع تحميل المسؤولية على نحو تعسفي. خامسًا: علاقة السببية في النظام السعودي: أقر نظام المعاملات المدنية السعودي مبدأ السببية كركن لازم للمسؤولية المدنية، ونص على أن التعويض لا يُستحق إلا عن الضرر الذي يكون نتيجة طبيعية للفعل الضار،كما أخذ النظام بمفهوم السبب المنتج، ومنح القاضي سلطة تقديرية واسعة في تقدير قيام العلاقة أو انقطاعها، مع الاعتداد بالسبب الأجنبي متى توافرت شروطه. سادسًا: علاقة السببية في القانون المدني السوري: نص القانون المدني السوري على أن كل خطأ سبب ضررًا للغير يُلزم من ارتكبه بالتعويض، وهو ما يفترض وجود علاقة سببية بين الخطأ والضرر. وقد استقر الفقه والقضاء السوريان على اعتماد نظرية السبب المنتج، مع الاعتراف بانقطاع السببية عند قيام السبب الأجنبي أو خطأ المضرور. كما منح القانون القاضي سلطة تقديرية في استخلاص السببية من وقائع الدعوى وملابساتها، مستعينًا بالخبرة والقرائن القضائية. تُعد علاقة السببية حجر الزاوية في قيام المسؤولية المدنية، وأدق أركانها إثباتًا وأشدها تعقيدًا من الناحية العملية، وقد أظهر التطبيق القضائي، في كلٍ من النظام السعودي والقانون المدني السوري، توجهًا متوازنًا يراعي حماية المضرور دون الانزلاق إلى تحميل المسؤولية على غير أساس قانوني سليم، ويظل القاضي في نهاية المطاف صاحب الدور المحوري في تقدير السببية، مستندًا إلى معايير موضوعية، وخبرة فنية، وحسّ قانوني دقيق، بما يحقق العدالة التوفيقية بين أطراف الخصومة، ويعزز الثقة في القضاء كضامن حقيقي للحقوق.
By المحامون بغدادي January 26, 2026
دراسة مقارنة وفق النظام السعودي والقانون المدني السوري أولًا: ماهية التوازن العقدي وأهميته: يقصد بالتوازن العقدي تحقيق قدر من العدالة في توزيع الحقوق والالتزامات بين طرفي العقد، بحيث لا يتحول العقد إلى وسيلة لإرهاق أحد المتعاقدين أو استغلال ضعفه، سواء عند إبرام العقد أو أثناء تنفيذه. ولا يعني ذلك المساواة الحسابية المطلقة، وإنما قيام علاقة تعاقدية منضبطة تحترم الرضا الحقيقي، وتنسجم مع مقتضيات العدالة وحسن النية. وقد تطور هذا المفهوم في التشريعات الحديثة من كونه فكرة فقهية إلى قاعدة عملية يتدخل القاضي لحمايتها في حالات محددة، خاصة في ظل تعقّد المعاملات الاقتصادية واتساع نطاق العقود النموذجية وعقود الإذعان. ثانيًا: التوازن العقدي في النظام السعودي: كرّس نظام المعاملات المدنية السعودي مبدأ التوازن العقدي من خلال مجموعة من القواعد التي توازن بين سلطان الإرادة وحماية الطرف الأضعف. 1. حسن النية في تنفيذ العقد ألزم النظام أطراف العقد بتنفيذه وفق ما اشتمل عليه وبطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية، وهو التزام لا يقتصر على النصوص الصريحة، بل يمتد ليشمل السلوك العام للطرفين أثناء التنفيذ. ويُعد هذا المبدأ أداة فعالة بيد القاضي لمواجهة أي تحايل أو تعسف في استعمال الحق. 2. عقود الإذعان والشروط التعسفية نص النظام صراحة على أنه إذا تم العقد بطريق الإذعان، وتضمن شروطًا تعسفية، جاز للمحكمة تعديل هذه الشروط أو إعفاء الطرف المذعن منها، ويبطل كل اتفاق يحرم المتعاقد من هذا الحق. ويُعد هذا النص من أبرز مظاهر الحماية التشريعية للتوازن العقدي. 3. الظروف الاستثنائية العامة أقر النظام نظرية الظروف الطارئة، فإذا طرأت حوادث استثنائية عامة غير متوقعة، وجعلت تنفيذ الالتزام مرهقًا بخسارة فادحة، وجب على الطرفين التفاوض، فإن فشل التفاوض جاز للمحكمة رد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول، ويبطل الاتفاق على خلاف ذلك. ويُعد هذا النص من أهم أدوات إعادة التوازن العقدي في الظروف الاقتصادية الطارئة. 4. الاستغلال والغبن عالج النظام مسألة الاستغلال بصورة مباشرة، فإذا استغل أحد المتعاقدين ضعفًا ظاهرًا أو حاجة ملحة لدى الآخر ونتج عن ذلك غبن، جاز للمحكمة، بناءً على طلب المتضرر، تعديل الالتزامات أو إبطال العقد وفق ضوابط محددة، وهو ما يعكس توجهًا واضحًا لحماية العدالة التعاقدية. ثالثًا: التوازن العقدي في القانون المدني السوري: لم يكن القانون المدني السوري أقل اهتمامًا بالتوازن العقدي، إذ تضمّن مجموعة من النصوص التي تمكّن القاضي من التدخل لحماية العدالة في العلاقة التعاقدية. 1. حسن النية في التنفيذ أوجب القانون تنفيذ العقد طبقًا لما اشتمل عليه وبطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية، ووسّع نطاق الالتزام ليشمل مستلزمات العقد التي يقررها القانون أو العرف أو العدالة بحسب طبيعة الالتزام. 2. نظرية الظروف الطارئة نص القانون على أنه إذا طرأت حوادث استثنائية عامة غير متوقعة وجعلت تنفيذ الالتزام مرهقًا بخسارة فادحة، جاز للقاضي بعد الموازنة بين مصلحة الطرفين أن يرد الالتزام إلى الحد المعقول، ويبطل الاتفاق على خلاف ذلك. ويُعد هذا النص من أهم الأسس القانونية لإعادة التوازن العقدي في التشريع السوري. 3. عقود الإذعان أجاز القانون للقاضي تعديل الشروط التعسفية في عقود الإذعان أو إعفاء الطرف المذعن منها، وأكد بطلان أي اتفاق يمنع القاضي من استعمال هذه السلطة، بما يضمن حماية الطرف الضعيف وتحقيق التوازن العقدي. 4. تفسير العقد وحماية الطرف الأضعف قرّر القانون أن وضوح العبارة يمنع الانحراف عنها، أما إذا وُجد محل للتفسير، فيجب البحث عن النية المشتركة مع الاستهداء بطبيعة التعامل والأمانة والثقة والعرف. كما قرر أن الشك يفسر لمصلحة المدين، ولا يجوز في عقود الإذعان أن يضر تفسير العبارات الغامضة بالطرف المذعن. يتضح من العرض المقارن أن مبدأ التوازن العقدي يشكّل ركيزة أساسية في كلٍ من النظام السعودي والقانون المدني السوري، وإن اختلفت الصياغات التشريعية وتنوّعت أدوات الحماية. فكلا النظامين يقرّ بسلطان الإرادة بوصفه أساسًا للعقد، لكنه لا يتركه مطلقًا دون ضوابط، بل يحيطه بقيود قانونية تمكّن القاضي من التدخل كلما اختل هذا التوازن على نحو يهدد العدالة أو يؤدي إلى إرهاق أحد المتعاقدين أو استغلاله. ويبرز دور القاضي هنا بوصفه حارسًا للتوازن لا منشئًا للعقد، إذ يقتصر تدخله على الحالات التي حدّدها النظام أو القانون صراحة، وبما يحقق إعادة التوازن دون المساس باستقرار المعاملات أو إهدار الإرادة المشروعة للأطراف. ومن ثمّ، فإن التوازن العقدي لم يعد مجرد مفهوم نظري، بل أداة عملية لتعزيز الثقة في المعاملات وتحقيق العدالة التعاقدية في ظل التطورات الاقتصادية المعاصرة.
By المستشار/ عمر رياض بغدادي January 17, 2026
العقد هو أساس كثير من العلاقات اليومية، سواء في التجارة أو العمل أو الإيجار أو الشراكات، ورغم ذلك يقع كثير من الناس في أخطاء عند التعامل مع العقود، لا بسبب سوء نية، بل نتيجة فهم غير دقيق لما تعنيه بنود العقد وآثاره القانونية. أولًا: الاعتقاد أن العقد مجرد إجراء شكلي. من أكثر الأخطاء شيوعًا الاعتقاد بأن العقد مجرد ورقة للتوقيع، وأن أهميته تنتهي بمجرد إتمام الاتفاق في الواقع، العقد هو الذي يحدد: * الحقوق * الالتزامات * وما يحدث عند الخلاف أي بند مكتوب فيه قد يكون له أثر قانوني مهم، حتى لو لم ينتبه إليه أحد الطرفين عند التوقيع. ثانيًا: الاعتماد على الثقة وإهمال القراءة. كثير من الناس يوقّع العقد اعتمادًا على الثقة بالطرف الآخر، خاصة إذا كانت العلاقة جيدة أو سابقة، الثقة أمر محمود لكن العقد لا يُكتب لوقت الوفاق بل لوقت الخلاف، فالقراءة المتأنية للعقد لا تعني الشك، بل تعني الحرص. ثالثًا: تجاهل البنود المكتوبة بخط صغير. البنود المكتوبة بخط صغير أو في آخر العقد غالبًا تكون: * شروط جزائية * التزامات إضافية * أو حالات فسخ وإنهاء تجاهل هذه البنود قد يؤدي إلى التزامات لم تكن في الحسبان، خاصة عند حدوث نزاع. رابعًا: الخلط بين ما قيل شفهيًا وما هو مكتوب. يعتقد البعض أن ما تم الاتفاق عليه شفهيًا يكون ملزمًا حتى لو لم يُذكر في العقد، في الواقع عند النزاع، يُعتد غالبًا بما هو مكتوب، لا بما قيل، ولهذا فإن أي اتفاق مهم يجب أن يكون: * مكتوبًا * واضحًا * ومضمّنًا في العقد نفسه خامسًا: عدم فهم آثار التوقيع. التوقيع على العقد يعني الإقرار بمضمونه، حتى لو لم تتم قراءته بالكامل، ومن الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن عدم الفهم يعفي من الالتزام، بينما الأصل أن التوقيع يُرتب مسؤولية قانونية. سادسًا: عدم طلب استشارة قانونية. يظن بعض الناس أن الاستشارة القانونية غير ضرورية أو مكلفة، فيتجاوزونها لكن في الواقع، الاستشارة البسيطة قبل التوقيع قد: * تمنع نزاعًا طويلًا * أو توضح بندًا غامضًا * أو تحفظ حقًا قد يضيع لاحقًا معظم المشكلات التعاقدية لا تنشأ بسبب العقد نفسه، بل بسبب سوء فهمه أو التهاون في التعامل معه، والتعامل الواعي مع العقود، حتى في أبسطها، هو خطوة أساسية لحماية الحقوق وتجنب النزاعات. هذا المقال للتوعية العامة فقط، ولا يُعد استشارة قانونية خاصة، إذ تختلف كل حالة بحسب ظروفها وتفاصيلها.