متى يكون السكوت قبولاً في القانون السوري؟
بين القاعدة العامة والاستثناء في تكوين العقود
في العلاقات اليومية والتجارية، كثيراً ما يُرسل أحد الأطراف عرضاً أو اقتراحاً إلى الطرف الآخر، ثم لا يتلقى منه أي رد.
وهنا يثور سؤال عملي مهم:
هل يعني السكوت القبول؟
قد تبدو الإجابة بسيطة، لكنها في القانون ليست كذلك. فالأصل أن الإنسان لا يُنسب إليه قبول لمجرد أنه لم يعترض، إلا أن طبيعة بعض المعاملات أو وجود تعامل سابق بين الأطراف قد يمنح السكوت دلالة قانونية مختلفة.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين مجرد السكوت وبين السكوت الذي تحيط به ظروف تجعل منه تعبيراً عن القبول.
الأصل: السكوت لا يعني الموافقة.
القاعدة الأساسية هي أن مجرد امتناع الشخص عن الرد لا يكفي، بذاته، للقول بأنه وافق على العرض الموجه إليه.
فالقبول يفترض وجود إرادة تتجه إلى إبرام العقد، ولا يجوز للأصل أن يسمح لأحد الأطراف بأن يفرض التزاماً على الآخر بمجرد إرسال عرض إليه ثم اعتبار عدم الرد موافقة عليه.
لذلك، إذا أرسل شخص إلى آخر عرضاً يتضمن التزامات مالية أو تعاقدية جديدة، فلا يستطيع ـ كقاعدة عامة ـ أن يقول له:
«إذا لم تعترض فقد وافقت».
فالصمت وحده لا ينشئ عادةً الالتزام.
وتؤكد الأدبيات القانونية السورية التمييز بين التعبير الضمني عن الإرادة وبين السكوت؛ فالتعبير الضمني يتضمن سلوكاً إيجابياً يمكن استخلاص الإرادة منه، أما السكوت في ذاته فهو موقف سلبي لا يحمل بالضرورة معنى القبول.
ولكن... متى يصبح السكوت قبولاً؟
وضع القانون المدني السوري استثناءات مهمة على هذه القاعدة.
فقد نصت المادة 99 من القانون المدني السوري على أنه إذا كانت طبيعة المعاملة أو العرف التجاري أو غير ذلك من الظروف تدل على أن مقدم العرض لم يكن ينتظر تصريحاً صريحاً بالقبول، فإن العقد يمكن أن يعد منعقداً إذا لم يُرفض الإيجاب في الوقت المناسب.
كما اعتبرت المادة أن السكوت عن الرد قد يعد قبولاً إذا كان هناك تعامل سابق بين المتعاقدين واتصل العرض بهذا التعامل، أو إذا تمخض العرض لمنفعة من وُجه إليه.
ومن هنا، فالسكوت لا يكتسب قيمته القانونية من الصمت ذاته، وإنما من الظروف المحيطة به.
التعامل السابق بين الأطراف:
هذه من أهم الحالات العملية، ولا سيما في العلاقات التجارية المستمرة.
فلنفترض أن شركة اعتادت طوال فترة طويلة أن ترسل إلى أحد مورديها طلبات توريد وفق آلية ثابتة، وكان المورد ينفذ تلك الطلبات بالطريقة المعتادة دون حاجة في كل مرة إلى خطاب رسمي يتضمن عبارة «نوافق».
إذا أرسلت الشركة طلباً جديداً ضمن ذات نمط التعامل واستمر المورد في سلوكه المعتاد أو لم يرفض العرض رغم طبيعة العلاقة المستقرة بين الطرفين، فقد يصبح التعامل السابق عنصراً مهماً في تفسير موقفه.
لكن وجود تعامل سابق لا يعني أن كل سكوت لاحق يشكل قبولاً تلقائياً.
يجب أن يكون العرض الجديد متصلاً فعلاً بالتعامل السابق، لا أن يتضمن التزامات جوهرية جديدة تختلف عن طبيعة العلاقة المعتادة.
فالاعتياد على شراء كمية معينة من البضاعة، مثلاً، لا ينبغي أن يتحول بذاته إلى أساس لافتراض قبول المشتري بشروط استثنائية أو أعباء جديدة لم يسبق التعامل بها.
العرف التجاري وطبيعة المعاملة:
قد توجد معاملات يكون فيها العرف التجاري أو طريقة التعامل بين المهنيين ذات أهمية خاصة في تحديد دلالة السكوت.
وهنا لا ينظر إلى الصمت بصورة مجردة، وإنما إلى أسئلة من قبيل:
هل جرت العادة في هذا النوع من المعاملات على ضرورة الرد الصريح؟
هل كان الطرف الآخر يعلم، من خلال التعامل السابق، أن عدم الاعتراض خلال فترة معينة يحمل معنى محدداً؟
وهل كانت الظروف توحي بصورة معقولة بأن مقدم العرض ينتظر رفضاً عند عدم الموافقة، وليس قبولاً صريحاً عند الموافقة؟
وقد أوضحت الأعمال التحضيرية للمادة 99 أن النص أراد منح القاضي ضابطاً مرناً يستند إلى طبيعة التعامل والعرف التجاري وظروف الحالة، مع التمييز بين السكوت المجرد وبين ما يسمى بالسكوت الذي تلابسه ظروف تمنحه دلالة على الإرادة.
عندما يكون العرض لمصلحة الطرف الآخر:
أورد القانون كذلك حالة يكون فيها الإيجاب متمخضاً لمنفعة من وُجه إليه.
والمقصود أن يكون العرض، بطبيعته، محققاً لمنفعة للطرف الآخر دون أن يرتب عليه مقابلاً أو عبئاً جديداً.
وفي هذه الحالة قد تكون دلالة السكوت على القبول أقوى، بحسب طبيعة التصرف والظروف المحيطة به.
ومع ذلك، لا ينبغي التوسع في تطبيق هذه الحالة؛ لأن الأصل يظل عدم تحميل الشخص التزاماً لم يعبّر عن إرادته في تحمله.
السكوت يختلف عن القبول الضمني:
من المهم أيضاً عدم الخلط بين أمرين مختلفين:
أن يسكت الشخص تماماً، وأن يقوم بسلوك يدل على القبول.
فإذا أرسل مورد عرضاً لتوريد مواد بسعر محدد، ثم قام الطرف الآخر بتحويل الدفعة المتفق عليها أو بدأ باستلام البضاعة أو شرع في تنفيذ العقد، فنحن قد لا نكون أمام «سكوت» بالمعنى الدقيق، وإنما أمام تصرف إيجابي يمكن أن يستخلص منه القبول الضمني.
وهذا التمييز مهم أمام القضاء، لأن تقييم السلوك الإيجابي يختلف عن محاولة استنتاج إرادة قانونية من مجرد عدم الرد.
ماذا عن الشروط المكتوبة في الفاتورة؟
هذه من المسائل المهمة جداً في العمل التجاري.
قد يتم الاتفاق على صفقة، ثم يرسل أحد الأطراف فاتورة تتضمن شروطاً إضافية لم تكن محل تفاوض سابق، كشرط جزائي أو اختصاص قضائي أو التزام جديد، ثم يتمسك لاحقاً بأن الطرف الآخر لم يعترض على الفاتورة وبالتالي فقد قبل شروطها.
هذه النتيجة ليست تلقائية.
واللافت أن الأعمال التحضيرية للقانون المدني ناقشت تحديداً مسألة اعتبار سكوت المشتري بعد استلام البضاعة قبولاً بالشروط الواردة في الفاتورة، وانتهى النقاش التشريعي إلى حذف التطبيق الصريح وترك تقدير مثل هذه الحالات وفق ظروفها.
وهذا يحمل دلالة عملية مهمة:
استلام الفاتورة وعدم الاعتراض عليها لا ينبغي أن يُفهم دائماً باعتباره قبولاً بكل شرط جديد أُضيف إليها.
بل يجب النظر إلى الاتفاق الأصلي، وطبيعة الشرط، والتعامل السابق، والعرف، وما إذا كان الطرف الآخر قد علم بالشرط وتصرف على أساسه.
الخطر في عبارة: «عدم الرد يعتبر موافقة».
من الأخطاء الشائعة في المراسلات التجارية أن يرسل أحد الأطراف خطاباً يتضمن:
«في حال عدم اعتراضكم خلال ثلاثة أيام، يعد ذلك موافقة منكم على ما ورد أعلاه».
هذه العبارة وحدها لا تمنح مرسلها بالضرورة سلطة إنشاء التزام على الطرف الآخر.
فلا يجوز ـ من حيث الأصل ـ لشخص أن يصنع لنفسه قبولاً بمجرد تحديد مهلة للطرف الآخر ثم اعتباره موافقاً إذا لم يرد.
وتختلف النتيجة إذا كانت هناك اتفاقية سابقة بين الأطراف تنظم هذه الآلية، أو كان التعامل المستقر بينهم أو العرف التجاري يمنح عدم الاعتراض دلالة محددة.
وهنا مرة أخرى لا يكون مصدر القبول هو العبارة التي كتبها المرسل وحده، بل العلاقة القانونية والظروف المحيطة بها.
الأهمية العملية أمام القضاء:
في النزاع، لا يكفي للطرف الذي يتمسك بالسكوت أن يقول:
«أرسلت إليه ولم يعترض».
بل تصبح المسألة أعمق من ذلك.
ينبغي دراسة تاريخ التعامل بين الطرفين، وطبيعة المراسلات السابقة، والعرف المتبع، ومضمون العرض الجديد، وما إذا كان يكرر شروطاً قائمة أم ينشئ التزامات جديدة، وطول مدة السكوت، وما صدر بعده من الطرفين.
فالسؤال القضائي الحقيقي ليس:
هل سكت الطرف الآخر؟
وإنما:
هل كانت الظروف التي أحاطت بهذا السكوت كافية لأن يُفهم منه القبول؟
عدسة البغدادي للمحاماه:
السكوت في القانون السوري ليس موافقة تلقائية، كما أنه ليس دائماً بلا أثر.
الأصل أن السكوت وحده لا يكفي للتعبير عن الإرادة، لكن قد تمنحه ظروف محددة دلالة القبول، وخصوصاً عند وجود تعامل سابق بين الطرفين، أو عرف تجاري، أو طبيعة خاصة للمعاملة، أو عندما يكون العرض لمصلحة من وُجه إليه.
ولهذا فإن تقييم السكوت يجب ألا يتم من خلال الرسالة الأخيرة وحدها، بل من خلال العلاقة القانونية كاملة.
وفي الممارسة التجارية، تبقى القاعدة الأكثر أماناً بسيطة:
إذا كان الأمر مهماً، فلا تترك إرادتك للصمت.
فالكلمة المكتوبة بوضوح اليوم قد تمنع نزاعاً طويلاً غداً.
إعداد: البغدادي للمحاماة | Baghdadi Law
هذا المقال للتوعية القانونية العامة، ولا يشكل استشارة قانونية بشأن واقعة محددة.

