الاقرار القضائي وغير القضائي على ضوء قانون البينات السوري

الإقرار القضائي وغير القضائي وأثره في الإثبات قراءة قانونية في ضوء قانون البينات السوري في كثير من المنازعات، قد لا تكون المشكلة في غياب الدليل، بل في كلمة سبق

الإقرار القضائي وغير القضائي وأثره في الإثبات

قراءة قانونية في ضوء قانون البينات السوري

في كثير من المنازعات، قد لا تكون المشكلة في غياب الدليل، بل في كلمة سبق أن قالها أحد الخصوم واعترف فيها بحق أو واقعة ضد مصلحته. فالإقرار من وسائل الإثبات المهمة؛ لأنه يصدر عن الشخص نفسه ويتعلق، في الأصل، بحق أو واقعة يمكن أن ترتب أثراً في ذمته.

إلا أن القانون السوري لا يضع جميع الإقرارات في مرتبة واحدة، بل يميز بصورة واضحة بين الإقرار القضائي والإقرار غير القضائي، ويترتب على هذا التمييز اختلاف جوهري في القوة الثبوتية لكل منهما.

وينظم قانون البينات السوري رقم /359/ لعام 1947 وتعديلاته أحكام الإقرار في المواد /93/ وما بعدها، وهو القانون المدرج ضمن التشريعات السورية النافذة.

أولاً: ما المقصود بالإقرار؟

يقوم الإقرار، في جوهره، عندما يصدر عن الخصم اعتراف بحق أو بواقعة قانونية تكون في غير مصلحته وتصب في مصلحة خصمه.

ومن الأمثلة العملية أن يطالب شخص آخر بمبلغ مالي، فيجيب المدعى عليه بأنه استلم المبلغ فعلاً ولكنه يدعي أنه قام برده؛ فاعترافه باستلام المبلغ يشكل إقراراً بالواقعة الأصلية، وينتقل النزاع بعد ذلك إلى مسألة الوفاء أو الرد بحسب ظروف الدعوى وأدلتها.

غير أن قوة هذا الاعتراف تتوقف بصورة أساسية على أين صدر الإقرار، وأمام من، وفي أي دعوى صدر.

ثانياً: الإقرار القضائي.

عرفت المادة /94/ من قانون البينات السوري الإقرار القضائي بأنه اعتراف الخصم، أو من ينوب عنه نيابة خاصة، بواقعة قانونية مدعى بها عليه، أمام القضاء وأثناء السير في الدعوى المتعلقة بهذه الواقعة.

وبالتالي لا يكفي أن يصدر الاعتراف داخل مبنى المحكمة حتى يصبح إقراراً قضائياً، بل يجب أن يصدر أمام القضاء وفي الدعوى نفسها التي تتعلق بالواقعة المقر بها.

فإذا كان المدعى عليه ماثلاً أمام المحكمة في دعوى مطالبة بقرض وقال صراحة إنه استلم مبلغ القرض، فإن هذا الاعتراف يمثل، متى استوفى شروطه، إقراراً قضائياً بالاستلام.

أما إذا صدر الاعتراف أمام محكمة في قضية أخرى، فإنه يفقد وصف الإقرار القضائي بالنسبة للدعوى الجديدة ويعامل، من حيث الأصل، بوصفه إقراراً غير قضائي.

كما أن النص يشترط بالنسبة لمن يقر نيابة عن الخصم أن تكون لديه نيابة خاصة، وهي نقطة عملية مهمة عند تقييم الأقوال الصادرة عن الوكلاء والممثلين أمام القضاء.

ثالثاً: لماذا يعد الإقرار القضائي من أقوى وسائل الإثبات؟

تكمن أهمية الإقرار القضائي في أنه يلزم المقر بما صدر عنه.

فقد قررت المادة /99/ من قانون البينات أن المرء يلزم بإقراره، وأن الرجوع عن الإقرار لا يصح إلا بسبب خطأ في الواقع، على أن يقع على المقر عبء إثبات هذا الخطأ. كما قررت المادة /100/ أن الإقرار حجة قاصرة على المقر.

وبذلك، لا يستطيع الخصم أن يعترف أمام المحكمة بواقعة حاسمة ثم يتراجع عنها لمجرد أنه تبين له لاحقاً أن الإقرار أضر بمركزه في الدعوى.

وقد استقر في الاجتهاد السوري المنشور على أن الإقرار القضائي الصادر أثناء السير في الدعوى المتعلقة بالواقعة محل الإقرار يعد حجة ملزمة، ولا يملك قاضي الموضوع تقدير قوته بالطريقة التي يقدر بها الأدلة غير الملزمة. ومن الاجتهادات المشار إليها في هذا المجال قرار محكمة النقض السورية رقم /287/ تاريخ 25/8/1952.

وهنا تظهر القيمة العملية للإقرار: فقد يؤدي إقرار واضح وصحيح إلى إعفاء الخصم الآخر من إثبات الواقعة التي أصبحت محل الإقرار.

رابعاً: الإقرار غير القضائي.

بحسب المادة /95/ من قانون البينات، يكون الإقرار غير قضائي إذا وقع خارج مجلس الحكم، أو وقع في مجلس الحكم ولكن في غير الدعوى المقامة بشأن الواقعة المقر بها.

ومن صوره العملية: إقرار مكتوب في سند أو مراسلة، أو اعتراف وارد ضمن رسالة أو مخاطبة بين الطرفين، أو تصريح أمام جهة إدارية، أو إقرار صدر أمام القضاء ولكن في دعوى أخرى.

وفي البيئة التجارية الحديثة قد تتضمن المراسلات الإلكترونية ورسائل الأطراف عبارات تحمل معنى الإقرار، إلا أن مجرد وجود العبارة لا يكفي دائماً؛ إذ يجب أولاً التحقق من نسبتها إلى صاحبها وسلامة الدليل الذي يراد إثباتها من خلاله، ثم تحديد مدلولها الحقيقي وظروف صدورها.

خامساً: ما قوة الإقرار غير القضائي؟

هنا يظهر الفارق الأساسي بين النوعين.

فالمادة /102/ من قانون البينات تنص على أن الإقرار غير القضائي واقعة يعود تقديرها للقاضي، ويجب إثباتها وفق القواعد العامة للإثبات.

أي أن القاضي لا يكون ملزماً بالتعامل معه بالطريقة ذاتها التي يتعامل بها مع الإقرار القضائي.

فقد يرى، وفق ظروف القضية وطبيعة المستند وصياغة الإقرار والأدلة الأخرى، أن الإقرار غير القضائي يشكل دليلاً قوياً، وقد يعتبره عنصراً من عناصر الإثبات يحتاج إلى ما يعززه.

وقد ورد في الاجتهاد السوري المنشور أن الإقرار غير القضائي، متى ثبت، يخضع لتقدير قاضي الموضوع من حيث قوته في الإثبات؛ ومن ذلك قرار محكمة النقض السورية رقم /397/ تاريخ 26/11/1952.

وبالتالي فإن الفرق ليس شكلياً، بل قد يكون حاسماً في نتيجة الدعوى:

الإقرار القضائي ملزم متى استوفى شروطه، أما الإقرار غير القضائي فتخضع قوته لتقدير المحكمة بعد إثبات صدوره ومضمونه وفق القواعد القانونية.

سادساً: شروط صحة الإقرار.

لم يكتف المشرع بتحديد نوع الإقرار، وإنما وضع شروطاً تتعلق بالمقر وبمضمون الإقرار.

فالمادة /96/ تشترط أن يكون المقر عاقلاً بالغاً وغير محجور عليه، بينما تشترط المادة /97/ ألا يكذب ظاهر الحال الإقرار. كما نظم القانون أثر قبول المقر له للإقرار أو رده كلياً أو جزئياً في المادة /98/.

والغاية من ذلك واضحة: ليس كل كلام منسوب إلى شخص يمكن تحويله تلقائياً إلى إقرار منتج لآثاره القانونية، بل يجب التحقق من أهلية صاحبه ومن حقيقة مدلوله وظروف صدوره.

سابعاً: هل يجوز تجزئة الإقرار؟

من المبادئ المهمة التي وضعها قانون البينات قاعدة عدم تجزئة الإقرار على صاحبه.

فقد نصت المادة /101/ على أنه لا يتجزأ الإقرار على صاحبه، إلا إذا انصب على وقائع متعددة وكان وجود إحداها لا يستلزم حتماً وجود الوقائع الأخرى.

وتظهر أهمية هذه القاعدة مثلاً عندما يقول المدين:

«استلمت المبلغ، لكنني أعدته إلى الدائن».

فلا يجوز دائماً أخذ الجزء الأول من العبارة باعتباره إقراراً بالاستلام وتجاهل الجزء الثاني بصورة آلية؛ بل يجب بحث طبيعة الإقرار ومدى ارتباط الوقائع التي يتضمنها ببعضها، وما إذا كانت قابلة للتجزئة وفق معيار المادة /101/.

وهذه من المسائل الدقيقة التي قد يكون لتكييف المحكمة لها أثر مباشر في تحديد الطرف الذي يتحمل عبء إثبات الواقعة اللاحقة.

ثامناً: الإقرار حجة على صاحبه وليس على الآخرين.

الإقرار، مهما بلغت قوته، يبقى بحسب المادة /100/ حجة قاصرة على المقر.

وهذه القاعدة بالغة الأهمية، ولا سيما في النزاعات التي يتعدد فيها المدعى عليهم أو الشركاء أو أطراف العلاقة القانونية؛ فإقرار شخص بواقعة ضد مصلحته لا يعني بصورة تلقائية أن اعترافه يستطيع إنشاء حجة ملزمة ضد شخص آخر لم يصدر عنه الإقرار.

الأثر العملي للإقرار في المنازعات.

تكمن خطورة الإقرار في أن بعض القضايا التي تحتاج في بدايتها إلى مستندات وشهود وخبرة قد تختصرها عبارة واحدة يصدرها الخصم أمام المحكمة.

وفي المقابل، فإن رسالة أو مخاطبة أو تصريحاً صدر خارج الدعوى، مهما بدا واضحاً، لا ينبغي التعامل معه تلقائياً بوصفه إقراراً قضائياً؛ بل يجب أولاً تحديد طبيعته القانونية وطريقة إثباته ومدى قوته ضمن بقية عناصر الدعوى.

ولهذا فإن التعامل المهني مع الإقرار يقتضي دائماً الإجابة عن أربعة أسئلة: من صدر عنه؟ أين صدر؟ في أي نزاع صدر؟ وما الواقعة التي قصد الاعتراف بها تحديداً؟

عدسة البغدادي للمحاماه:

يميز القانون السوري بوضوح بين الإقرار القضائي والإقرار غير القضائي.

فالأول يصدر أمام القضاء أثناء نظر الدعوى المتعلقة بالواقعة المقر بها، ويشكل متى استوفى شروطه حجة ملزمة على المقر. أما الثاني فيصدر خارج مجلس الحكم أو في دعوى أخرى، ويظل واقعة إثباتية تخضع من حيث ثبوتها وقوتها لتقدير المحكمة وفق القواعد العامة.

والقاعدة الأهم أن الإقرار ليس مجرد قول عابر، بل قد يكون تصرفاً إجرائياً بالغ الأثر يغيّر عبء الإثبات ويختصر النزاع، ولذلك فإن صياغة أقوال الخصوم ومذكراتهم ومراسلاتهم يجب أن تتم بعناية قانونية كبيرة.

المعرفة القانونية تحمي الحق، والكلمة التي تقال في الخصومة قد تكون أحياناً أقوى من عشرات المستندات.

تنبيه قانوني

هذا المحتوى للتثقيف القانوني العام ولا يشكل استشارة قانونية أو بديلاً عن مراجعة الوقائع والمستندات والولاية القانونية الخاصة بكل حالة.

استشارة قانونية مدفوعة أونلاين

ناقش مسألتك مع البغدادي للمحاماة.

عبر واتساب أو البريد الإلكتروني، دون الحاجة إلى الحضور الشخصي لبدء الاستشارة.

ابدأ طلب الاستشارة