عندما تصبح المحادثة دليلاً
البريد الإلكتروني وواتساب في الإثبات أمام القضاء السوري
لم تعد الاتفاقات التجارية والمفاوضات والوعود بالسداد تجري دائماً على الورق.
رسالة بريد إلكتروني تتضمن قبول عرض سعر، أو محادثة واتساب يعترف فيها شخص بدين، أو رسالة يؤكد فيها أحد الأطراف استلام بضاعة أو الموافقة على تنفيذ عمل؛ كل ذلك قد يصبح جزءاً مهماً من النزاع عندما يصل إلى القضاء.
لكن هل تكفي رسالة واتساب وحدها لإثبات الحق؟
الجواب الأدق: يمكن أن تكون دليلاً، ولكن قوتها في الإثبات تختلف بحسب مضمونها وإمكان التحقق من مصدرها وسلامتها وارتباطها ببقية الأدلة.
فقد قرر قانون المعاملات الإلكترونية السوري رقم 3 لعام 2014 أن للكتابة الإلكترونية الحجية المقررة للكتابة الورقية، كما منح تبادل المعلومات عن طريق البريد الإلكتروني أو أي وسيلة إلكترونية أخرى حجية القرائن القضائية أو مبدأ الثبوت بالكتابة. كما اعترف القانون بالوسائل الإلكترونية كوسيلة مقبولة للتعبير عن الإرادة في الإيجاب والقبول وإنشاء الالتزام أو تعديله أو نقله أو إلغائه.
ماذا يمكن أن تثبت المراسلات الإلكترونية؟
بحسب ظروف كل قضية، قد تساعد رسائل البريد الإلكتروني أو واتساب في إثبات أمور مثل:
وجود اتفاق أو مفاوضات بين الطرفين.
الإقرار بمبلغ مالي أو دين.
الموافقة على سعر أو عرض تجاري.
إرسال طلب شراء أو قبول تنفيذه.
المطالبة بالسداد والرد عليها.
استلام البضاعة أو الخدمة أو الاعتراض عليها.
تعديل بعض شروط الاتفاق أو تمديد مواعيد التنفيذ.
والأهم أن القانون السوري لم يحصر الرسالة الإلكترونية بالبريد الإلكتروني فقط، بل استخدم مفهوماً واسعاً يشمل المعلومات التي ترسل أو تستلم بوسائل إلكترونية. كما نظم الحالات التي يمكن فيها نسبة الرسالة الإلكترونية إلى مرسلها.
صورة الشاشة ليست دائماً نهاية الإثبات
وجود Screenshot للمحادثة لا يعني بالضرورة أن النزاع قد حُسم.
فقد يثار أمام المحكمة سؤال حول صاحب الرقم أو الحساب، أو ما إذا كانت المحادثة كاملة، أو جرى حذف جزء منها، أو تعديل الصورة، أو إخراج عبارة معينة من سياقها.
ولهذا فإن قوة الدليل الإلكتروني تزداد كلما أمكن المحافظة على المصدر الإلكتروني الأصلي وإثبات تسلسل المحادثة وهوية أطرافها وتواريخ الرسائل والبيانات المرتبطة بها.
وهذا الاتجاه ينسجم مع القانون رقم 7 لعام 2023 الذي نظم حفظ الوثائق الإلكترونية، وأكد أهمية حفظ محتواها ومعلومات مصدرها ووجهتها وتاريخ ومكان إرسالها أو تسلمها.
قاعدة عملية مهمة
إذا كانت لديك مراسلات إلكترونية مرتبطة بحق مالي أو عقد أو نزاع محتمل:
لا تكتفِ بصورة شاشة واحدة.
احتفظ بالمحادثة الأصلية، والبريد الإلكتروني، والمرفقات، وأرقام الأطراف، وتسلسل الرسائل كاملاً، ولا تحذف الرسائل أو تعدلها، لأن القيمة الحقيقية للدليل الرقمي ليست في العبارة الظاهرة وحدها، وإنما في إمكان إثبات صحتها ونسبتها إلى صاحبها وربطها ببقية وقائع القضية.
في عصر أصبحت فيه العقود تبدأ برسالة، والمفاوضات تتم عبر واتساب، والقبول يرسل بالبريد الإلكتروني، لم يعد الدليل القانوني محصوراً بالورقة والتوقيع التقليدي.
قد تكون رسالة واحدة مفتاح القضية؛ لكن قيمتها لا تتوقف على ما تقوله فقط، بل على قدرتك على إثبات مَن أرسلها، ومتى أرسلها، وفي أي سياق.
المعرفة القانونية حق، وحفظ الدليل قبل نشوء النزاع قد يكون أهم من البحث عنه بعد وقوعه.
