اعتراض الغير في القانون السوري
حماية من مسّ الحكم حقوقه دون أن يكون خصماً
الأصل أن آثار الحكم القضائي تنصرف إلى أطراف الخصومة، فلا يُفترض أن يتحمل شخص نتائج حكم صدر في دعوى لم يكن طرفاً فيها ولم تتح له فرصة الدفاع عن حقوقه. إلا أن الواقع العملي قد يؤدي إلى صدور حكم بين شخصين يمتد أثره إلى حق يملكه شخص ثالث، وهنا تظهر أهمية اعتراض الغير بوصفه طريقاً قانونياً لحماية ذلك الحق.
وقد نظم المشرع السوري اعتراض الغير في المواد 268 وما بعدها من قانون أصول المحاكمات رقم 1 لعام 2016، فنص على أن لكل شخص لم يكن خصماً ولا ممثلاً ولا متدخلاً في الدعوى أن يعترض على حكم يمس حقوقه، ولو لم يكن الحكم قد اكتسب الدرجة القطعية.
متى يحق للغير الاعتراض على الحكم؟
لا يكفي أن يكون الشخص غير راضٍ عن الحكم، ولا أن تترتب عليه مصلحة غير مباشرة، بل يقوم اعتراض الغير على ركنين أساسيين: أن يكون المعترض من الغير بالنسبة إلى الخصومة الأصلية، وأن يكون الحكم قد مس حقاً يعود إليه.
وبذلك يمكن اختصار الاختبار القانوني في معادلة واضحة:
صفة الغير + حق متأثر بالحكم + سبب قانوني منتج = اعتراض قابل للبحث موضوعاً.
فمن كان خصماً أو ممثلاً أو متدخلاً في الدعوى لا يستطيع، من حيث الأصل، العودة إلى الحكم بصفة الغير، كما أن الشخص الأجنبي عن الخصومة لا يملك الاعتراض لمجرد اعتقاده بأن الحكم خاطئ؛ بل عليه تحديد الحق الذي يملكه وبيان الكيفية التي مس بها الحكم ذلك الحق.
وتظهر أهمية ذلك بصورة خاصة في المنازعات العقارية، كأن يصدر حكم بتثبيت بيع عقار بين شخصين، ثم يظهر شخص ثالث يدعي ملكيته للعقار أو امتلاكه حقاً سابقاً عليه. هنا لا يكفي أن يقول إن الحكم أضر به، وإنما يجب عليه إثبات مصدر حقه وتاريخه وأثر الحكم عليه.
الاعتراض الأصلي والاعتراض الطارئ:
ميز القانون السوري بين اعتراض الغير الأصلي واعتراض الغير الطارئ.
فالاعتراض الأصلي يقدم بدعوى إلى المحكمة التي أصدرت الحكم المعترض عليه، ويجب أن يتضمن الاستدعاء أسباب الاعتراض بصورة واضحة، وإلا تعرض للرد شكلاً.
أما الاعتراض الطارئ فيثار أثناء دعوى قائمة عندما يحتج أحد أطرافها بحكم سابق في مواجهة شخص لم يكن طرفاً فيه. ويجوز تقديمه إلى المحكمة الناظرة في الدعوى إذا كانت مساوية في الدرجة أو أعلى من المحكمة التي أصدرت الحكم وكان النزاع داخلاً في اختصاصها، وإلا وجب سلوك طريق الاعتراض الأصلي.
ولا يرتبط اعتراض الغير بمهلة طعن قصيرة على غرار بعض طرق الطعن الأخرى؛ إذ يبقى الحق في الاعتراض قائماً ما لم يسقط الحق الذي يستند إليه المعترض بالتقادم. كما أجاز القانون الاعتراض ولو لم يكن الحكم قد اكتسب الدرجة القطعية.
هل يوقف اعتراض الغير تنفيذ الحكم؟
الأصل أن اعتراض الغير لا يوقف تنفيذ الحكم بمجرد تقديمه. وهذه نقطة عملية شديدة الأهمية، لأن الحكم قد يكون قد دخل مرحلة التنفيذ رغم إقامة الاعتراض.
ومع ذلك، أجاز القانون للمحكمة أن تقرر وقف التنفيذ إذا كان يخشى منه وقوع ضرر جسيم يتعذر تداركه، لقاء الكفالة التي تقدرها المحكمة.
ومن منظورالبغدادي للمحاماة، فإن نجاح طلب وقف التنفيذ لا يتحقق بمجرد القول بوجود ضرر؛ بل يجب إقناع المحكمة بأن التنفيذ وشيك أو قائم فعلاً، وأن الضرر المتوقع جسيم، وأن إعادة الحال إلى ما كانت عليه بعد التنفيذ ستكون متعذرة أو بالغة الصعوبة.
ما أثر قبول اعتراض الغير؟
إذا ثبت للمحكمة أن اعتراض الغير محق، فليس معنى ذلك بالضرورة إلغاء الحكم الأصلي بكامله. فقد قرر المشرع أن المحكمة تعدل الحكم في الحدود التي تمس حقوق المعترض، فإذا كان الحكم لا يقبل التجزئة جاز أن يمتد التعديل إليه بكامله.
وهذه القاعدة تكشف الطبيعة الحقيقية لاعتراض الغير: فالمقصود ليس منح شخص ثالث فرصة لإعادة محاكمة النزاع الذي دار بين الخصوم الأصليين، وإنما إزالة أثر الحكم في حدود الحق الذي ثبت أنه يعود إليه.
وفي المقابل، إذا أخفق المعترض في اعتراضه، فإنه يتحمل النتائج التي قررها القانون، ومنها المصاريف والغرامة القانونية، فضلاً عن التعويض عن الضرر عند توافر موجباته. ولذلك ينبغي ألا يستخدم اعتراض الغير كوسيلة لتعطيل الأحكام، بل كطريق قانوني يستند إلى حق جدي وأدلة واضحة.
عدسه البغدادي للمحاماة: كيف تُقيّم قوة اعتراض الغير؟
قبل إقامة الاعتراض، لا يكفي سؤال: هل الحكم خاطئ؟ فالسؤال الأهم هو: هل يملك المعترض الصفة والحق والسبب الذي يسمح له قانوناً بمواجهة هذا الحكم؟
ومن زاوية المحكمة، يكون الاعتراض أقوى عندما يستطيع صاحبه بناء سلسلة قانونية متماسكة:
حق ثابت للمعترض ← لم يكن ممثلاً في الخصومة ← الحكم مس هذا الحق ← يوجد سبب قانوني وأدلة تبرر تعديل الحكم.
أما الاعتراض الذي يبدأ بمهاجمة الحكم الأصلي دون إثبات صفة المعترض وحقه الشخصي المتأثر به، فإنه يهاجم النتيجة قبل أن يثبت حق صاحبه في الطعن بها.
وفي الاتجاه المقابل، سيحاول الخصم عادة إسقاط الاعتراض بإثبات أن المعترض لم يكن من الغير حقيقة، أو أن الحكم لا يمس حقاً له، أو أن مستنداته لا تثبت الحق المدعى به، أو أن السبب الذي يتمسك به لا يؤثر في الحكم. ومن هنا فإن الاعتراض المهني يجب أن يبنى منذ البداية لمواجهة هذه الدفوع، لا لمجرد عرض رواية المعترض.
ومن هنا:
يمثل اعتراض الغير في القانون السوري ضمانة لتحقيق التوازن بين استقرار الأحكام القضائية وحماية حقوق من لم يكن طرفاً في الخصومة. فحجية الحكم يجب أن تصان، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة للمساس بحق شخص لم تتح له فرصة الدفاع عنه.
ولهذا فإن نجاح اعتراض الغير لا يتوقف على إثبات أن الحكم الأصلي غير صحيح بصورة مجردة، وإنما على إثبات ثلاثة عناصر مترابطة: أن المعترض من الغير، وأن له حقاً جدياً مسه الحكم، وأن لديه سبباً قانونياً منتجاً يبرر تعديل الحكم في الحدود التي أصابت حقه.
وهذه هي فلسفة اعتراض الغير في أبسط صورها: الحكم يحترم في مواجهة أطرافه، أما الغير الذي امتدت آثاره إلى حقه، فله أن يطلب من القضاء إعادة الحكم إلى حدوده القانونية.
هذا مقال رأي ولا يعتبر استشاره قانونيه.
البغدادي للمحاماة خبرتنا تصل اليك آينما كنت.
