متى يسقط حق الدائن في التمسك بالشرط الفاسخ في القانون السوري؟

متى يسقط حق الدائن في التمسك بالشرط الفاسخ في القانون السوري؟ قد يتضمن العقد عبارة تبدو حاسمة: «يعتبر العقد مفسوخاً من تلقاء نفسه عند عدم تنفيذ أحد الالتزامات»

متى يسقط حق الدائن في التمسك بالشرط الفاسخ في القانون السوري؟

قد يتضمن العقد عبارة تبدو حاسمة: «يعتبر العقد مفسوخاً من تلقاء نفسه عند عدم تنفيذ أحد الالتزامات». لكن وجود هذه العبارة لا يعني دائماً أن صاحب المصلحة يستطيع التمسك بها في أي وقت وبصرف النظر عن سلوكه اللاحق.

ففي القانون السوري، قد يكون الشرط الفاسخ الصريح قوياً عند صياغته، ثم يفقد الدائن حقه في استعماله بسبب تصرفات صدرت عنه بعد وقوع الإخلال، وكشفت عن قبوله استمرار العقد.

وهنا تكمن إحدى أهم المسائل العملية في المنازعات العقدية: العبرة ليست بما كُتب في العقد وحده، وإنما أيضاً بما فعله الطرفان بعد توقيعه.

ما هو الشرط الفاسخ الصريح؟

تنص المادة 159 من القانون المدني السوري على جواز الاتفاق على اعتبار العقد مفسوخاً من تلقاء نفسه، دون حاجة إلى حكم قضائي، عند عدم الوفاء بالالتزامات الناشئة عنه. ومع ذلك، لا يعفي هذا الاتفاق من إعذار المدين إلا إذا اتفق الطرفان صراحة على الإعفاء منه.

ويختلف هذا الشرط عن الفسخ القضائي المنصوص عليه في المادة 158، لأن الغاية منه الحد من السلطة التقديرية للقاضي متى تحققت شروطه.

لكن القضاء السوري يتشدد في تفسيره، فلا يكفي أن يتضمن العقد عبارات عامة عن «النكول» أو المسؤولية أو حق أحد الطرفين في الفسخ. بل ينبغي أن تكون الصياغة واضحة في دلالتها على أن العقد يعتبر مفسوخاً عند تحقق المخالفة المتفق عليها. وقد أكدت محكمة النقض السورية هذا الاتجاه في قرارها رقم 1129 أساس 1401 تاريخ 9/12/1975.

متى يفقد الدائن حقه في استعمال الشرط؟

المسألة الأكثر أهمية تظهر بعد وقوع المخالفة.

لنفترض أن عقد بيع نص على اعتبار العقد مفسوخاً إذا لم يدفع المشتري القسط في تاريخ معين. حلّ الموعد ولم يدفع المشتري، إلا أن البائع لم يتمسك بالفسخ، بل استمر في التعامل معه وقبل منه أقساطاً أو مبالغ بعد مواعيد استحقاقها.

هل يستطيع البائع لاحقاً العودة إلى الشرط والقول إن العقد كان قد فسخ تلقائياً؟

ليس بالضرورة.

فالشرط الفاسخ مقرر لمصلحة صاحبه، ومن ثم يجوز له أن يتنازل عنه صراحة أو ضمناً. والتنازل الضمني يستخلص من سلوك لا يتفق عملياً مع إرادة إنهاء العقد.

وقد اعتبرت محكمة النقض السورية في قرار رقم 619 أساس 784 تاريخ 5/5/1977 أن قبول البائع مبالغ من رصيد الثمن بعد حلول الأجل، مع تراخيه في المطالبة بالفسخ، يمكن أن يشكل تنازلاً عن الشرط الفاسخ الصريح.

وهذا المبدأ بالغ الأهمية؛ لأن العقد قد يقول شيئاً، لكن سلوك الدائن اللاحق قد يقول شيئاً آخر.

قبول التنفيذ المتأخر ليس تصرفاً محايداً دائماً.

أكثر الحالات شيوعاً هي قبول الدائن تنفيذ الالتزام بعد الموعد المحدد.

فإذا كان العقد ينص مثلاً على فسخه عند عدم دفع الثمن في موعده، ثم قبل البائع الثمن أو جزءاً منه بعد ذلك دون تحفظ واضح، فقد يستدل من هذا السلوك على أنه اختار استمرار العلاقة العقدية بدلاً من إنهائها.

وقد ورد في اجتهاد آخر لمحكمة النقض السورية أن تنازل المدعي عن الشرط الفاسخ وعدم إعذار المشتري، مع عدم إثبات الضرر الناتج عن التأخير، يعيد النزاع عملياً إلى نطاق الفسخ القضائي وسلطة القاضي التقديرية. ومن ذلك القرار رقم 70 أساس 469 تاريخ 4/2/1984.

والنتيجة هنا دقيقة: سقوط الحق في الشرط الفاسخ الصريح لا يعني بالضرورة سقوط الحق في طلب الفسخ نهائياً. فقد يبقى للدائن الحق في طلب الفسخ القضائي وفق القواعد العامة، لكنه لا يستطيع التمسك بالميزة الاستثنائية التي كان يمنحه إياها الشرط الصريح.

عدسة البغدادي للمحاماة: ماذا سيفحص القاضي؟

عندما يدعي أحد الأطراف أن العقد انفسخ حكماً، لا يكفي أن يقدم بنداً من العقد ويقف عنده.

المحكمة ستبحث عملياً في أربعة أمور:

هل صياغة الشرط صريحة؟ وهل تحقق الإخلال المحدد فيه؟ وهل تم الإعذار عندما يكون مطلوباً؟ وهل صدر عن الدائن بعد ذلك سلوك يفيد التنازل عن الشرط؟

وهنا تصبح المراسلات والإيصالات والتحويلات المالية وطريقة استمرار تنفيذ العقد عناصر قد تكون أهم من العبارة المجردة الواردة فيه.

فإذا استمر الدائن، بعد تحقق سبب الفسخ، في مطالبة المدين بالأقساط وفق العقد، أو قبل مبالغ منه، أو منحه مهلاً جديدة بصورة توحي باستمرار العلاقة دون تحفظ، فقد يجد صعوبة في العودة لاحقاً إلى القول إن العقد انتهى تلقائياً منذ المخالفة الأولى.

هل كل تسامح يعتبر تنازلاً؟

لا ينبغي التوسع في هذه النتيجة.

فمجرد منح مهلة قصيرة أو التفاوض حول التنفيذ لا يعني بالضرورة إسقاط الشرط الفاسخ. المسألة تعتمد على دلالة السلوك في ظروف كل قضية.

ولهذا يكون من مصلحة الدائن، إذا أراد قبول تنفيذ متأخر دون التخلي عن حقوقه، أن يوضح موقفه بصورة صريحة، بحيث لا يفسر قبوله على أنه تنازل عن الشرط.

أما إذا بقي سلوكه غامضاً واستمر في تنفيذ العقد مدة طويلة، فإن الطرف الآخر قد يتمسك بأن هذا السلوك أنشأ لديه اعتقاداً مشروعاً بأن العلاقة العقدية ما زالت قائمة.

الدفع المقابل: كيف يدافع المدين؟

إذا واجه المدين دعوى قائمة على الشرط الفاسخ الصريح، فإن دفاعه لا ينبغي أن ينحصر في إنكار التأخير.

فقد يكون التأخير ثابتاً، ومع ذلك يستطيع إثارة مسائل أكثر تأثيراً، ومنها:

هل قبل الدائن تنفيذ الالتزام بعد الموعد؟ هل منحه أجلاً جديداً؟ هل استمر في تنفيذ التزاماته المقابلة؟ هل وجه إعذاراً صحيحاً؟ وهل صياغة الشرط نفسها تؤدي فعلاً إلى الفسخ التلقائي؟

وفي كثير من المنازعات، قد ينتقل مركز الثقل من سؤال «هل أخل المدين بالعقد؟» إلى سؤال أكثر حسماً: «هل حافظ الدائن على حقه في استعمال الشرط بعد ذلك الإخلال؟»

ومن هنا:

الشرط الفاسخ الصريح أداة قوية في القانون السوري، لكنه ليس حقاً منفصلاً عن سلوك صاحبه.

فالمادة 159 تجيز للمتعاقدين الاتفاق على الفسخ التلقائي، إلا أن القضاء يشترط وضوح الشرط وتحقق موجباته، كما يعترف بإمكان تنازل الدائن عنه صراحة أو ضمناً.

ومن هنا تبرز قاعدة عملية مهمة:

من يريد التمسك بالشرط الفاسخ يجب أن يتصرف بعد وقوع الإخلال بطريقة منسجمة مع إرادته في الفسخ؛ لأن قبول التنفيذ المتأخر أو استمرار التعامل دون تحفظ قد يحوله من صاحب شرط فاسخ صريح إلى دائن لا يملك إلا اللجوء إلى قواعد الفسخ القضائي العادية.

وفي النزاع العقدي، لا تقرأ المحكمة نص العقد فقط؛ بل تقرأ أيضاً ما فعله الطرفان بعد أن وقع الخلاف.

هذا مقال رأي لا يعتبر استشاره قانونيه .

تنبيه قانوني

هذا المحتوى للتثقيف القانوني العام ولا يشكل استشارة قانونية أو بديلاً عن مراجعة الوقائع والمستندات والولاية القانونية الخاصة بكل حالة.

استشارة قانونية مدفوعة أونلاين

ناقش مسألتك مع البغدادي للمحاماة.

عبر واتساب أو البريد الإلكتروني، دون الحاجة إلى الحضور الشخصي لبدء الاستشارة.

ابدأ طلب الاستشارة