الدفاتر التجارية ودورها في الإثبات في القانون السوري

الدفاتر التجارية ودورها في الإثبات في القانون السوري في عالم التجارة، لا تكفي الثقة وحدها. فكل عملية بيع، وكل دفعة، وكل دين أو تسوية قد تتحول لاحقاً إلى محل نزا

الدفاتر التجارية ودورها في الإثبات في القانون السوري

في عالم التجارة، لا تكفي الثقة وحدها. فكل عملية بيع، وكل دفعة، وكل دين أو تسوية قد تتحول لاحقاً إلى محل نزاع، وعندها تصبح الوثائق والسجلات هي اللغة التي يفهمها القضاء.

ومن هنا تأتي أهمية الدفاتر التجارية؛ فهي ليست مجرد وسيلة محاسبية لمعرفة الأرباح والخسائر، بل قد تتحول عند النزاع إلى عنصر مهم في إثبات الحقوق والالتزامات أمام المحكمة.

وقد نظم قانون التجارة السوري رقم 33 لعام 2007 أحكام الدفاتر التجارية في المواد 16 إلى 22، محدداً أنواعها، وطريقة تنظيمها، ومدة حفظها، وكيفية إبرازها أمام القضاء.

ما هي الدفاتر التجارية؟

الدفاتر التجارية هي السجلات التي يمسكها التاجر لإثبات العمليات المتعلقة بمؤسسته ونشاطه التجاري بصورة منتظمة.

ويلزم القانون التاجر، من حيث الأصل، بمسك دفترين أساسيين:

دفتر اليومية، وتدون فيه العمليات المتعلقة بالمؤسسة التجارية بحسب النظام الذي حدده القانون.

ودفتر الجرد، ويتضمن الجرد السنوي للموجودات والمطلوبات، وتثبت فيه الميزانية وحساب الأرباح والخسائر.

كما يلتزم التاجر بحفظ وترتيب المراسلات التي يتلقاها وصور المراسلات التي يرسلها.

أما من يتعاطون تجارة صغيرة أو حرفة بسيطة ذات نفقات عامة زهيدة ويعتمدون بصورة أساسية على عملهم الشخصي للحصول على دخل محدود، فقد أعفاهم القانون من الالتزامات المتعلقة بالدفاتر التجارية وفق الشروط الواردة في المادة 10.

متى تكون الدفاتر منتظمة؟

القيمة القانونية للدفتر لا تنفصل عن طريقة تنظيمه.

فالمادة 17 من قانون التجارة تشترط تنظيم الدفاتر التجارية بحسب التاريخ، دون بياض أو فراغ أو نقل إلى الهامش أو محو أو تحشية بين السطور. كما أوجب القانون ترقيم الدفاتر والتأشير عليها وتوقيعها من الجهة القضائية المختصة.

والهدف من هذه الشروط واضح: منع تعديل القيود أو إضافتها لاحقاً بما يغير حقيقتها.

ومن منظورنا، فإن السؤال ليس فقط:

هل يوجد دفتر تجاري؟

بل:

هل نظم هذا الدفتر بطريقة تمنح المحكمة الثقة بأن قيوده تعكس العمليات التجارية كما وقعت فعلاً؟

فكلما ازداد انتظام الدفتر، ازدادت قيمته عند النزاع.

كيف تستخدم الدفاتر التجارية في الإثبات؟

للـدفاتر التجارية طبيعة خاصة في الإثبات، لأنها قد تعمل في اتجاهين مختلفين.

فمن جهة، يمكن أن تكون القيود الواردة فيها حجة على التاجر نفسه، لأن ما أثبته الشخص في سجلاته التجارية قد يستخدم لإثبات التزام أو واقعة ضده.

ومن جهة أخرى، قد يستند التاجر إلى دفاتره لإثبات حق لمصلحته في بعض المعاملات التجارية، ولا سيما عندما يكون النزاع بين تاجرين وتكون الدفاتر منتظمة. وقد نصت قواعد الإثبات السورية على حجية دفاتر التجار الإجبارية المنتظمة لصاحبها في المعاملات المتعلقة بتجارته إذا كان النزاع بينه وبين تاجر آخر.

وهنا تظهر أهمية التمييز بين وجود القيد وبين قوته في الإثبات؛ فالدفتر ليس دليلاً مطلقاً يحسم النزاع بمجرد تقديمه، بل تقدر المحكمة قيمته إلى جانب العقود والفواتير والإيصالات والمراسلات وسائر الأدلة المتاحة.

هل يستطيع القاضي طلب الدفاتر؟

نعم.

الأصل أن الدفاتر التجارية لا تسلم بكاملها إلى القضاء إلا في حالات محددة، مثل الإرث وقسمة الأموال المشتركة والشركة والصلح الواقي والإفلاس.

أما في باقي المنازعات، فيجوز عرض الدفاتر أو المطالبة بإبرازها لاستخلاص القيود المرتبطة بالنزاع، كما يملك القاضي أن يأمر من تلقاء نفسه بتقديمها لهذه الغاية.

وهذا التمييز يحمي مصلحتين في الوقت ذاته: حاجة القضاء إلى الوصول إلى الحقيقة، وحق التاجر في عدم كشف جميع أسرار نشاطه التجاري عندما يكون النزاع متعلقاً بعملية محددة فقط.

عدسة البغدادي للمحاماة : لماذا قد يحسم دفتر منظم النزاع؟

لنفترض وجود نزاع بين تاجرين حول مبلغ يدعي أحدهما أنه سدده، بينما ينكر الآخر ذلك.

لن تكتفي المحكمة غالباً برواية كل طرف. ستبحث عن الفواتير، والتحويلات، والإيصالات، والمراسلات، وقد تنظر أيضاً إلى القيود الواردة في الدفاتر التجارية.

إذا كانت هذه القيود منتظمة ومتطابقة مع الوثائق الأخرى، فقد تشكل سلسلة إثبات قوية:

عملية تجارية ← مستند مؤيد ← قيد منتظم في الدفاتر ← تطابق مع بقية الأدلة.

أما إذا ظهرت تعديلات أو فراغات أو تناقضات أو قيود تمت بطريقة غير منتظمة، فقد تنخفض القيمة الإثباتية للدفتر بصورة كبيرة.

لذلك فإن قوة الدفاتر التجارية لا تأتي من كونها "دفاتر" فحسب، وإنما من انتظامها واستمراريتها وانسجامها مع بقية المستندات.

ماذا عن المحاسبة الإلكترونية؟

أخذ قانون التجارة السوري أيضاً بالتطور التقني، فأجاز للتجار مسك حساباتهم إلكترونياً وفق التعليمات التنفيذية الصادرة عن وزارة الاقتصاد والتجارة، كما أجاز في حالات حددها الاحتفاظ بصورة إلكترونية لمدة الحفظ القانونية بحيث تكون لها حجية الأصل.

لكن الرقمنة لا تعني الاستغناء عن الانضباط؛ فالبرنامج المحاسبي لا يحمي صاحبه إذا كانت البيانات المدخلة ناقصة أو غير قابلة للتدقيق أو لا تدعمها المستندات الأصلية.

ومن هنا:

الدفاتر التجارية في القانون السوري ليست مجرد واجب تنظيمي، بل جزء من منظومة حماية التاجر نفسه.

فالتاجر الذي يسجل عملياته بدقة، ويحفظ فواتيره ومراسلاته، وينظم دفاتره وفق القانون، لا يعرف فقط حقيقة مركزه المالي؛ بل يكون أيضاً أكثر قدرة على إثبات حقوقه عند النزاع.

ومن منظور عملي، يمكن اختصار الأمر بقاعدة واحدة:

التاجر الذي يوثق عملياته اليوم، يقلل مساحة النزاع غداً.

فالذاكرة تختلف، والروايات تتعارض، أما القيد المنتظم والمستند المؤيد له فقد يكونان الفارق بين ادعاء يصعب إثباته وحق يمكن الدفاع عنه أمام القضاء.

هذا مقال رآي ولا يعتبر استشاره قانونيه.

تنبيه قانوني

هذا المحتوى للتثقيف القانوني العام ولا يشكل استشارة قانونية أو بديلاً عن مراجعة الوقائع والمستندات والولاية القانونية الخاصة بكل حالة.

استشارة قانونية مدفوعة أونلاين

ناقش مسألتك مع البغدادي للمحاماة.

عبر واتساب أو البريد الإلكتروني، دون الحاجة إلى الحضور الشخصي لبدء الاستشارة.

ابدأ طلب الاستشارة