وقّع العقد بيده… ومع ذلك قد يعامله القانون كأنه لم يكن
قد يبدو التوقيع على العقد، للوهلة الأولى، الدليل الأقوى على الالتزام به. فالشخص وقّع بيده، والعقد مكتوب، والإرادة تبدو واضحة.
لكن في القانون السوري، التوقيع وحده لا يكفي دائماً لصحة العقد.
فالتوقيع يثبت – من حيث الأصل – صدور المحرر ممن وقّعه، لكنه لا يمنع المحكمة من بحث مسألة أخرى أكثر أهمية:
هل العقد نفسه صحيح قانوناً؟
التوقيع ليس حصانة للعقد
لكي ينتج العقد آثاره القانونية، لا يكفي أن يحمل توقيع الطرفين، بل يجب أن تتوافر فيه شروط انعقاده وصحته، من أهلية ورضا ومحل وسبب مشروعين.
ولهذا قد يكون التوقيع صحيحاً تماماً، ومع ذلك يكون العقد باطلاً أو قابلاً للإبطال.
ومن الأمثلة الواضحة في القانون المدني السوري تصرف الصغير غير المميز؛ إذ تقضي المادة 111 بأن تصرفاته المالية باطلة. وبالتالي فإن وجود توقيع على الورقة لا يستطيع إنشاء أثر قانوني لتصرف يمنع القانون صاحبه أصلاً من إجرائه.
وقّع… ولكن إرادته لم تكن حرة
وقد يكون الشخص كامل الأهلية، ويوقّع العقد فعلاً، إلا أن توقيعه يصدر نتيجة إكراه.
وهنا لا يقول القانون إن التوقيع مزور أو غير موجود، بل يعترف بوجوده ثم يبحث في سلامة الإرادة التي أدت إليه.
فالمادة 128 من القانون المدني السوري تجيز إبطال العقد إذا تعاقد الشخص تحت سلطان رهبة غير مشروعة توافرت فيها الشروط القانونية للإكراه. ولذلك قد يكون التوقيع حقيقياً، لكن العقد قابل للإبطال لأن الرضا الذي صدر عنه لم يكن حراً. (الموسوعة العربية)
وماذا لو كان موضوع العقد مخالفاً للقانون؟
قد يوقّع الطرفان بكامل إرادتهما وأهليتهما، ومع ذلك يكون الاتفاق مخالفاً للنظام العام أو قائماً على محل أو سبب غير مشروع.
في هذه الحالة لا يستطيع التوقيع أن «يصحح» العقد.
والقانون السوري شديد الوضوح في شأن العقد الباطل؛ إذ تقضي المادة 142 من القانون المدني بأنه يجوز لكل ذي مصلحة التمسك بالبطلان، وللمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها، كما أن البطلان لا يزول بالإجازة. (Syria Law)
البطلان ليس هو الإبطال
وهنا تظهر نقطة قانونية دقيقة كثيراً ما تختلط على غير المتخصصين.
العقد الباطل يعاني عيباً جوهرياً يجعله غير صالح لإنتاج أثره القانوني، ولا تستطيع إرادة الطرفين وحدها تصحيحه.
أما العقد القابل للإبطال فهو عقد قائم في الأصل، لكنه يعاني عيباً يحمي القانون بسببه أحد المتعاقدين، كالإكراه أو بعض حالات نقص الأهلية. ويستطيع صاحب الحق في بعض الحالات إجازته، فتزول قابليته للإبطال. (Syria Law)
وعند الحكم بالبطلان أو الإبطال، تقضي المادة 143 – من حيث الأصل – بإعادة المتعاقدين إلى الحالة التي كانا عليها قبل العقد. وهنا فقط تصبح العبارة المتداولة قريبة من الحقيقة القانونية: كأن العقد لم يكن. (الموسوعة العربية)
عدسه البغدادي للمحاماة:
ليس كل عقد موقّع عقداً صحيحاً.
فالتوقيع يجيب عن سؤال:
من وقّع؟
أما القانون فيطرح أسئلة أعمق:
هل كان يملك أهلية التعاقد؟
هل كانت إرادته حرة؟
هل محل العقد وسببه مشروعان؟
وهل استوفى العقد الشروط التي يفرضها القانون؟
ولهذا قد يقول شخص أمام المحكمة:
«نعم، هذا توقيعي»
ثم يحكم القضاء رغم ذلك ببطلان العقد أو إبطاله.
لأن التوقيع دليل مهم…
لكنه لا يستطيع أن يمنح الحياة القانونية لعقدٍ وُلد باطلاً.

