الإيجار الشفهي في القانون السوري
هل يحق للمؤجر إخلاء المستأجر في أي وقت؟
قد يتفق مالك ومستأجر شفهياً على تأجير منزل لمدة سنة مثلاً، ثم يثور الخلاف لاحقاً حول مدة الإيجار أو موعد الإخلاء. فهل يستطيع المؤجر القول: «لا يوجد عقد مكتوب، وبالتالي أستطيع استرداد العقار متى شئت»؟
الجواب: لا.
فعدم وجود عقد مكتوب لا يعني بالضرورة عدم وجود علاقة إيجارية. وقد نص قانون الإيجارات السوري رقم /20/ لعام 2015 صراحة على أن عقود الإيجار غير المسجلة تخضع في إثباتها للقواعد القانونية النافذة. أي إن النزاع ينتقل من مسألة وجود ورقة مكتوبة إلى مسألة: هل يستطيع الطرف إثبات الاتفاق وشروطه؟
إذا ثبتت مدة الإيجار:
إذا تمكن المستأجر من إثبات أن الاتفاق كان، مثلاً، لمدة سنة، فإن الأصل هو احترام هذه المدة؛ فالعقود الإيجارية الحديثة الخاضعة لقانون /20/ تقوم على إرادة المتعاقدين. كما تنص المادة /565/ من القانون المدني على أن الإيجار المحدد المدة ينتهي بانتهاء المدة المعينة في العقد.
وبالتالي لا يجوز للمؤجر أن يعتبر مجرد كون العقد شفهياً سبباً مستقلاً لإنهائه قبل انتهاء مدته، مع بقاء الحالات الأخرى التي يجيز فيها القانون أو العقد طلب الفسخ أو الإخلاء.
ولكن ماذا لو تعذر إثبات المدة؟
هنا تظهر أهمية المادة /531/ من القانون المدني السوري.
فإذا لم يتفق الطرفان على مدة، أو كانت المدة غير معينة، أو تعذر إثبات المدة المدعى بها، اعتبر الإيجار منعقداً للمدة التي دفعت أو حددت عنها الأجرة، وتطبق مواعيد التنبيه بالإخلاء التي قررها القانون.
وبالنسبة للمنازل والدكاكين والمكاتب ونحوها، وضع القانون قواعد خاصة لتحديد مدة الإيجار ومواعيد التنبيه عند غياب مدة ثابتة يمكن إثباتها.
وهذا يعني أن القول: «العقد شفهي وبالتالي المستأجر يخرج فوراً» غير دقيق قانوناً؛ فالمحكمة تبحث أولاً في حقيقة الاتفاق، والمدة، وطريقة دفع الأجرة، وسلوك الطرفين.
كيف تثبت العلاقة الإيجارية الشفهية؟
يمكن الاستناد، بحسب قواعد الإثبات وظروف كل قضية، إلى مجموعة من الأدلة والقرائن، ومنها:
إيصالات الأجرة والتحويلات المالية.
الرسائل والمراسلات بين المؤجر والمستأجر.
إقرار أحد الطرفين بوجود العلاقة الإيجارية أو ببدلها أو مدتها.
المستندات والقرائن المرتبطة بتسليم العقار والإشغال ودفع الأجرة.
وسائل الإثبات الأخرى التي يجيزها قانون البينات بحسب طبيعة الواقعة المطلوب إثباتها.
وقد أوضحت الموسوعة القانونية السورية أنه عند عدم وجود عقد خطي والاكتفاء بعقد شفهي، يتعين على صاحب المصلحة عند النزاع اللجوء إلى القضاء لإثبات العلاقة الإيجارية وشروطها، ثم يكون الحكم القضائي أساساً لاسترداد العقار متى توافرت شروط ذلك.
هل يستطيع المؤجر إخراج المستأجر بنفسه؟
لا يجوز تحويل النزاع إلى إخلاء بالقوة أو قطع المرافق أو تبديل الأقفال لمجرد عدم وجود عقد مكتوب.
فإذا كان عقد الإيجار مسجلاً أصولاً وفق قانون الإيجارات، اعتبر في الحالات التي حددها القانون سنداً تنفيذياً يمكن للمؤجر الاستناد إليه لاسترداد العقار عند انتهاء المدة.
أما إذا كانت العلاقة شفوية أو كان العقد غير مسجل وثارت منازعة حول وجوده أو مدته، فإن الأمر يحتاج إلى حكم قضائي يثبت العلاقة ويحسم النزاع بشأن انتهائها والإخلاء.
وتختص محكمة الصلح المدنية نوعياً بدعاوى صحة عقد الإيجار وفسخه وتسليم المأجور وتخليته ومنازعات تنفيذه، مهما بلغت قيمة النزاع، وفق المادة /64/ من قانون أصول المحاكمات رقم /1/ لعام 2016 والمادة /13/ من قانون الإيجارات. أما المحكمة المختصة مكانياً فتحدد وفق قواعد الاختصاص المحلي وظروف كل دعوى، لذلك لا يصح تعميم القول بأنها دائماً محكمة «موطن العقار».
عدسه البغدادي للمحاماة:
العقد الشفهي ليس مرادفاً لانعدام العقد.
المشكلة الحقيقية فيه هي الإثبات: من هو المستأجر؟ ما مقدار الأجرة؟ وما المدة التي اتفق عليها الطرفان؟
فإذا ثبتت المدة، احترمت آثارها القانونية. وإذا تعذر إثباتها، تدخل القانون لتحديد مدة العلاقة وكيفية إنهائها. أما الإخلاء الجبري عند وجود نزاع فلا يتم بإرادة المؤجر المنفردة، وإنما بالطريق القانوني.
في الإيجار الشفهي قد يكون الاتفاق صحيحاً، لكن ما تستطيع إثباته أمام القضاء هو الذي يحدد نطاق حقك عملياً.
المراجع: القانون المدني السوري، ولا سيما المواد /526، 531، 565 وما بعدها/؛ قانون الإيجارات رقم /20/ لعام 2015، ولا سيما المواد /1، 3، 4، 13، 18/؛ قانون أصول المحاكمات رقم /1/ لعام 2016، المادة /64/.
